تصاعد التوترات الأمنية يفاقم معاناة النساء في شمال وغرب باكستان

تصاعد التوترات الأمنية يفاقم معاناة النساء في شمال وغرب باكستان
تؤثر التوترات الأمنية التي تصاعدت في مناطق شمال وجنوب غربي باكستان أخيراً، لأسباب عدة من بينها التوتر مع أفغانستان، على الحياة الاجتماعية للنساء العاملات والطالبات والفتيات.
يعيش سكان مناطق شمال وجنوب غرب باكستان في خوف نتيجة تصاعد الاضطرابات السياسية والأمنية، لكن هذا الخوف تزايد أخيراً في ظل التوتر مع أفغانستان، ما دفع الكثير من العائلات إلى اتخاذ قرارات احترازية تتعلق بتنقل بناتهن وزوجاتهن، أهمها منعهن من الخروج للعمل أو متابعة الدراسة، كون التنقل اليومي أصبح محفوفاً بالمخاطر، في حين تصاعدت جرائم الخطف والنهب وتكررت السرقات.
ويعتقد زعماء قبليون باكستانيون أنّ الوضع الأمني في مناطقهم يتردى منذ دخلت إليها القوات المسلحة الباكستانية وقضت بالتعاون مع جماعات مسلحة على النظام القبلي. بينما يرى مراقبون أن الأزمة الأمنية في شمال وجنوب غرب باكستان لم تعد مجرد مسألة أمنية، بل عاملاً يُعيد رسم الأدوار الاجتماعية، معيشياً واجتماعيا ونفسياً، في حين يتحدث بعض الأهالي عن تنفيذ خطة ممنهجة لإخلاء تلك المناطق من السكان.
يقول الزعيم القبلي محمد داوود وزير: “الأوضاع في مناطق القبائل منهارة، وتأثيراتها كبيرة على السكان. لا وجود للحكومة في مناطق الشمال الغربي والجنوب الغربي، خصوصاً في مناطق القبائل، ما يعزز الشعور العام بعدم الاستقرار، ويدفع الأسر إلى تشديد القيود الاجتماعية على النساء خشية الاستهداف أو التعرض للخطف أو التحرش أثناء التنقل، ولا يقتصر تأثير الوضع الأمني على التعليم، بل يتجاوزه إلى ملفات عدة، من بينها الزواج القسري، والعنف الأسري، والقتل بدافع الشرف”.
ويذكر وزير أن “هذه الظروف تدفع بعض الأسر إلى تزويج الفتيات في سن مبكرة باعتباره وسيلة للحماية، إذ يُنظر إلى انتقال الفتاة إلى بيت الزوج باعتباره حل يخفف القلق الأمني عن الأسرة، حتى إذا أنهى ذلك مسيرتها التعليمية أو المهنية، أو أثر على صحتها، كما أن الأعراف الاجتماعية التقليدية تميل أصلاً إلى تقييد دور المرأة خارج المنزل، ما يدعم سلوك أولياء الأمور الناجم عن الوضع الأمني”. ولا تقتصر آثار الحرمان من العمل وبقية الأنشطة الاجتماعية الأخرى على النساء والفتيات، بل تتجاوزهن إلى تضرر الأسر كلها، إذ إن تراجع حضور النساء في المجال العام له آثار أوسع، وقد تُحرم أسر من مصدر دخلها الوحيد حين تُمنع المرأة من العمل.
ويقول الإعلامي الباكستاني سلمان علي إعوان: “يدفع سكان مناطق شمال وجنوب غرب البلاد أثماناً باهظة لسوء الوضع الأمني والصراع القائم مع أفغانستان، فالأوضاع لا تسمح للرجال بالخروج من المنازل في بعض الأحيان، فكيف الحال بالنسبة إلى النساء. تدفع الأسر الثمن لأنها تتأثر بحرمان شخص من العمل، لكن الآباء يفضلون تحمل الفقر أو المعاناة على أن تخرج بناتهم إلى العمل في هذه الأوضاع. فقدت بعض الأسر مصادر دخلها، ما يُفاقم الأوضاع المعيشية الصعبة في مناطق تعاني أصلاً من الفقر والبطالة، وقد قضت الحرب على الحماية القانونية، ومنعت تطبيق قوانين حماية النساء”.
ويؤكد الناشط الاجتماعي حافظ عبد المجيد أن “تأثيرات حرمان المرأة من العمل أبعد، فهي طبيبة وممرضة ومدرسة، وعندما تُمنع من العمل تصبح المستشفيات التي يعتبر عددها قليل جداً، بلا طبيبة وممرضة، ومعروف أن لا أحد من الطبيبات أو الممرضات في المدن يذهب إلى هذه المناطق لأداء الوظيفة، ومن أعراف القبائل أنها لا تسمح للأطباء الرجال برؤية النساء، وهذه أزمة في قلب أزمة”.
ويذكر عبد المجيد أن “كل من يستطيعون الخروج من هذه المناطق فعلوا ذلك، وباشروا في البحث عن الحياة في مدن جديدة، مثل العاصمة إسلام أباد وراولبندي ولاهور وكراتشي، لكن نسبتهم قليلة جداً، ربما اثنين أو ثلاثة في المئة، والباقون لا يتحملون حتى الذهاب ونقل المنزل إلى مدينة بشاور”. ويتابع: “من مهمات الحكومة والمؤسسات الإنسانية أن تصل إلى هؤلاء الناس، وترتب لهم ظروفاً تساعدهم في الإيواء، لأن القضية ليست مجرد حرمان من العمل والدراسة، بل أبعد من ذلك فاستمرار الوضع الحالي سيقضي على المكون الاجتماعي، ويدمّر كل شيء، وسيكون له تأثيرات كبيرة على البلاد كلها. من هنا يجب أن ينظر صناع القرار إلى الأمور بروية، والمصالحة مع أفغانستان ضرورية للغاية إنها ستأتي بخير كثير لهذه المناطق”.




