مصحف النجف الأشرف.. إنجاز عراقي يعيد رسم خريطة الطباعة القرآنية في العالم الإسلامي

مصحف النجف الأشرف.. إنجاز عراقي يعيد رسم خريطة الطباعة القرآنية في العالم الإسلامي
شهد العالم الإسلامي مؤخراً حدثاً قرآنياً بارزاً تمثل بإزاحة الستار عن الطبعة الأولى من “مصحف النجف الأشرف”، بوصفه أول مصحف عراقي متكامل يُكتب ويُدقق ويُطبع بالكامل داخل العراق بأيادٍ عراقية، في خطوة وصفت بأنها محطة تاريخية تعيد للعراق حضوره الريادي في خدمة القرآن الكريم وفنون الخط والطباعة الإسلامية.
وجرى الإعلان الرسمي عن المصحف في حفل احتضنته مدينة النجف الأشرف بحضور شخصيات دينية وحوزوية وأكاديمية، يتقدمهم المتولي الشرعي للعتبة العباسية المقدسة سماحة العلامة السيد أحمد الصافي، وسط اهتمام واسع من الأوساط الثقافية والقرآنية داخل العراق وخارجه.
ويأتي “مصحف النجف الأشرف” تتويجاً لمشروع تبنته العتبة العباسية المقدسة عبر مركز طباعة المصحف الشريف التابع للمجمع العلمي للقرآن الكريم، ليشكل امتداداً لمسيرة طويلة من العناية الإسلامية بالمصحف الشريف منذ عصر التدوين الأول وحتى عصر الطباعة الحديثة.
ويستعرض المشروع تاريخ تطور كتابة وطباعة القرآن الكريم، بدءاً من المخطوطات القرآنية القديمة مثل مخطوطة برمنغهام وصنعاء وتوبكابي، مروراً بأولى الطبعات العالمية في البندقية وهامبورغ وسانت بطرسبرغ، وصولاً إلى أشهر المصاحف المطبوعة في العالم الإسلامي، مثل مصحف المدينة المنورة ومصحف الملك فؤاد في مصر.
ويمثل المصحف العراقي الجديد تحولاً نوعياً في مجال الطباعة القرآنية، إذ سعت العتبة العباسية إلى كسر الاعتماد على المصاحف المستوردة، وإنتاج نسخة عراقية خالصة تجمع بين دقة الرسم العثماني وجماليات الخط اليدوي العراقي والتقنيات الطباعية الحديثة.
وتميز “مصحف النجف الأشرف” بكتابته بخط اليد عبر الخطاط العراقي عبد الحسين الركابي، باستخدام خط النسخ، مع اعتماد زخارف مستوحاة من العمارة الإسلامية في النجف وكربلاء، فضلاً عن استخدام تقنيات طباعة متطورة وورق خاص غير عاكس للضوء وأحبار عالية الجودة لضمان وضوح القراءة وديمومة المصحف.
كما خضع المصحف لسلسلة طويلة من عمليات التدقيق والمراجعة العلمية والفنية التي استمرت سنوات، بإشراف لجان تخصصية ضمت علماء وخبراء في الرسم والضبط والوقف والابتداء، إلى جانب لجان فنية وإدارية تابعت أدق مراحل التصميم والطباعة داخل دار الكفيل للطباعة والنشر والتوزيع.
وحظي المصحف بمباركة المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف، إذ تطرزت النسخة الأولى بمباركة سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني، الذي أكد في نص مباركته أهمية القرآن الكريم بوصفه “نوراً وهدىً وبصائر للناس”، داعياً إلى التدبر في آياته والعمل بأحكامه.
وأكد القائمون على المشروع أن “مصحف النجف الأشرف” يحمل رسالة علمية ووطنية، تتمثل في تأكيد وحدة النص القرآني بين جميع المسلمين، والرد العملي على الشبهات التي تستهدف أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، عبر إصدار نسخة مطابقة تماماً للمصحف المتداول في العالم الإسلامي بالرسم العثماني المعتمد.
ويضم الإصدار الأول من المصحف سبعة آلاف نسخة بأحجام متعددة، بينها الحجم الوزيري والرحلي والجيبي، لتلبية احتياجات القراء والمؤسسات القرآنية، مع خطط مستقبلية لإنشاء مطبعة متخصصة بطباعة المصحف الشريف في النجف الأشرف.
وحصد المشروع إشادات واسعة من المؤسسات الدينية والأكاديمية والفنية، التي عدّته إنجازاً ثقافياً وسيادياً يعكس قدرة العراق على إنتاج مصحف بمواصفات عالمية، وإحياء المدرسة العراقية في فن الخط والزخرفة الإسلامية.
ويرى مراقبون أن “مصحف النجف الأشرف” لا يمثل مجرد إصدار قرآني جديد، بل مشروعاً حضارياً وثقافياً يعيد تأكيد مكانة العراق بوصفه مركزاً تاريخياً للعلوم الإسلامية والقرآنية، ورسالة فخر وطني تؤكد قدرة الكفاءات العراقية على إنجاز مشاريع كبرى بمعايير عالمية.




