
تاريخ المراثي الحسينية في الأدب الهندي والباكستاني.. من تراث لكنهاو إلى الانتشار العالمي
تُعد المراثي الحسينية (النوحة) أحد أبرز الألوان الأدبية والدينية في شبه القارة الهندية، حيث تطورت عبر أكثر من قرن من الزمان لتصبح جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية والدينية للمسلمين في الهند وباكستان، قبل أن تنتقل إلى جمهور عالمي بفضل وسائل الإعلام والتقنيات الحديثة.
وتشير دراسات تاريخية إلى أن مدينة لكناو الهندية شكّلت المهد الرئيس لفن المراثي الحسينية باللغة الأوردية، الذي استمد جذوره من الأدبين العربي والفارسي، قبل أن ينتقل إلى مدينة كراتشي بعد استقلال باكستان عام 1947 مع موجات هجرة واسعة حملت معها هذا التراث إلى البلاد.
وشهدت كراتشي منذ خمسينيات القرن الماضي نهضة كبيرة في فن النوح الحسيني، حيث تأسست فرق متخصصة في إحياء المجالس ومواكب العزاء، وأسهم عدد من كبار الرواد في ترسيخ هذا الفن وتطوير أساليبه مع الحفاظ على أصالته الأدبية والدينية.
ويُعد الأستاذ صادق حسين، المعروف بـ”شجن صاحب”، من أبرز المؤسسين لهذا الفن في باكستان، إذ أسس أولى فرق النوح المنظمة في كراتشي بعد انتقاله من لكناو، وأسهم في وضع الأسس الكلاسيكية لتلاوة المراثي خلال مواكب عاشوراء.

كما برزت أسماء أخرى تركت بصمة واضحة في تاريخ المراثي الحسينية، من بينهم عزت اللكهنوي، وسيد آفاق حسين رضوي، وسيد علي محمد رضوي المعروف بـ”سچّي بهاي”، وجعفر حسين، وسيد ناصر جهان، وناظم حسين، وصبيرة كاظمي، وسيد علي ضياء رضوي، وسيد ناصر حسين زيدي، الذين أسهموا في تطوير أساليب الإلقاء والأداء وإثراء التراث الأدبي للنوحة.
وتشير المصادر إلى أن هذه المدرسة الأدبية لم تقتصر على الأداء التقليدي، بل شهدت تطورًا متواصلاً في الألحان وأساليب الإلقاء والتعبير، مع المحافظة على جوهر المرثية الحسينية القائمة على استذكار مصيبة الإمام الحسين (عليه السلام) وأهل بيته وأصحابه في واقعة كربلاء.
وفي العقود الأخيرة، برز القارئ نذير رضا سرور بوصفه أحد أبرز الوجوه العالمية في هذا المجال، حيث أسهم في نقل المراثي الحسينية إلى جمهور أوسع من خلال إدخال اللغتين العربية والفارسية إلى جانب الأوردية، وإنتاج تسجيلات انتشرت في مختلف أنحاء العالم، ما منح هذا الفن بعدًا دوليًا غير مسبوق.
كما شهدت المراثي الحسينية تطورًا في مضامينها، إذ لم تعد تقتصر على استذكار المأساة التاريخية، بل أصبحت تحمل رسائل تدعو إلى مقاومة الظلم، وترسيخ قيم العدالة والحرية والإصلاح المستلهمة من نهضة الإمام الحسين (عليه السلام).
ويرى باحثون في الأدب الأُردي أن ازدهار هذا الفن ارتبط أيضًا بإسهامات شعراء كبار، من بينهم كوهر جرجاوي، وسيد آل رضا، ونجم أفندي، ومجاهد اللكهنوي، وأروج بجنورِي، إلى جانب شعراء معاصرين عملوا على تطوير النصوص مع الحفاظ على أوزانها الكلاسيكية وأبعادها العقائدية.
ولا تزال المراثي الحسينية تحتل مكانة محورية في إحياء مراسم شهر محرم في الهند وباكستان، حيث ترافق المواكب والمجالس الحسينية، فيما أسهمت المنصات الرقمية ووسائل الإعلام الحديثة في توسيع انتشارها، لتتحول من تراث محلي في مدن شبه القارة الهندية إلى فن ديني وأدبي يحظى بمتابعة واسعة في مختلف أنحاء العالم.



