الأطفال في الحروب… ضحايا منسيون خلف صراعات السياسة والجغرافيا

الأطفال في الحروب… ضحايا منسيون خلف صراعات السياسة والجغرافيا
كشفت تقارير ودراسات إنسانية أن الأطفال غالباً ما يكونون الضحايا الأكثر تضرراً في الحروب والنزاعات المسلحة، في وقت تطغى فيه الخطابات الجيوسياسية والعسكرية على معاناتهم الإنسانية، لتتحول طفولتهم إلى رهينة الخوف والنزوح وفقدان التعليم.
ويشير باحثون إلى أن لغة الصراع التي تركز على مفاهيم مثل “توازن القوى” و”المعادلات الجيوسياسية” تخفي خلفها واقعاً قاسياً يعيشه ملايين الأطفال الذين يجدون أنفسهم وسط العنف والدمار دون قدرة على فهم ما يجري حولهم. فبالنسبة لهم، لا تعني الحرب تحليلاً سياسياً أو استراتيجياً، بل تعني الخوف وفقدان الأمان وحرمانهم من أبسط حقوق الطفولة.
وتبرز هذه المعاناة في تجارب عديدة بالشرق الأوسط، إذ شهدت مناطق من كردستان خلال ثمانينيات القرن الماضي آثاراً عميقة بعد حملة الأنفال، حيث دُمّرت القرى وتشتتت العائلات وفقد آلاف الأطفال ذويهم، لتبقى تلك التجربة محفورة في الذاكرة الجماعية لأجيال كاملة.
وفي السنوات الأخيرة تكررت مآسي مشابهة في مناطق أخرى، بينها مدن شمال سوريا مثل كوباني التي تحولت خلال الحرب مع تنظيم د1عش إلى ساحات قتال، ما اضطر آلاف العائلات إلى النزوح والعيش في مخيمات اللاجئين لأشهر أو سنوات، حيث حلّ الخوف والملاجئ مكان المدرسة واللعب.
كما خلّفت الحرب في سوريا دماراً واسعاً طال البنية التعليمية، خصوصاً في مدن مثل حلب وحمص، حيث دُمّرت آلاف المدارس، ما حرم ملايين الأطفال من التعليم وأجبر الكثير منهم على العمل أو الهجرة مع عائلاتهم.
وفي العراق، واجه الأطفال تبعات سنوات من الحروب والاضطرابات، خاصة بعد المعارك مع تنظيم د1عش، إذ تعرضت مدن مثل الموصل وسنجار لدمار كبير في البنية التحتية، ما أدى إلى نشوء جيل في بيئة تعاني من الفقر ونقص الخدمات الصحية والتعليمية.
وتتكرر الصورة ذاتها في اليمن، حيث خلّفت سنوات الحرب أزمة إنسانية حادة يعاني فيها ملايين الأطفال من سوء التغذية ونقص الرعاية الصحية وإغلاق المدارس، فيما يواجه كثير منهم صعوبة حتى في الحصول على الغذاء والمياه النظيفة.
أما في قطاع غزة، فقد نشأت أجيال كاملة في ظل الحروب المتكررة، حيث شهد العديد من الأطفال تدمير منازلهم ومدارسهم وفقدان أفراد من عائلاتهم، وهو ما تشير دراسات نفسية إلى أنه قد يخلّف آثاراً طويلة الأمد مثل القلق المزمن والاضطرابات النفسية.
وفي أفغانستان، أدت عقود الصراع وعودة طالـ،ـبان إلى الحكم عام 2021 إلى تفاقم أزمة التعليم، خاصة مع القيود المفروضة على تعليم الفتيات، ما حرم ملايين الأطفال من فرص التعليم والمستقبل الأفضل.
ويؤكد خبراء أن التعليم غالباً ما يكون أولى ضحايا الحروب، إذ تُغلق المدارس ويُهجَّر المعلمون وتُدمَّر البنية التحتية التعليمية، ما يترك فجوة طويلة الأمد في التنمية البشرية ويؤثر على مستقبل المجتمعات.
كما تسهم الحروب في دفع الأطفال إلى سوق العمل أو إلى شبكات الاستغلال والاتجار بالبشر، نتيجة انهيار الاقتصادات المحلية وفقدان الأسر لمصادر الدخل، الأمر الذي يكرس دائرة من الفقر والحرمان تمتد آثارها لسنوات طويلة.
ويرى مختصون أن قضية الأطفال في الحروب ليست مجرد قضية إنسانية، بل عامل أساسي في مستقبل المجتمعات، إذ إن الأجيال التي تنشأ في بيئة يسودها العنف والفقر والتمييز قد تحمل آثار تلك التجارب لعقود، ما يجعل حماية الأطفال وتعليمهم ركيزة أساسية لأي عملية سلام وإعادة إعمار في المستقبل.




