العتبات والمزارات المقدسة

القبة العلوية المقدسة.. مشروع إعادة التذهيب بين الحفاظ على الإرث التاريخي وتعزيز الهوية المعمارية

القبة العلوية المقدسة.. مشروع إعادة التذهيب بين الحفاظ على الإرث التاريخي وتعزيز الهوية المعمارية

يمثل مشروع إعادة تذهيب القبة العلوية المقدسة في النجف الأشرف محطة بارزة في مسار الحفاظ على الإرث العمراني والتاريخي لأحد أهم المعالم الدينية في العالم الإسلامي. وجاءت المباشرة بالمشروع بعد موافقة المرجعية الدينية العليا، عقب الاطلاع على جميع تفاصيله الفنية، مع التأكيد على ضرورة الحفاظ على الصفائح الذهبية الأصلية وصيانتها وإعادتها إلى أماكنها الطبيعية بما يضمن صون الهوية التراثية للمرقد الشريف.
وتعود أول عملية تذهيب شاملة للقبة والمنارتين إلى القرن الثاني عشر الهجري، حين استبدلت الكسوة القاشانية الزرقاء بصفائح نحاسية مطلية بالذهب الخالص، في خطوة أضفت على العمارة العلوية طابعها الذهبي المميز. وقد زخرفت الصفائح بآيات قرآنية ونقوش شعرية باللغات العربية والفارسية والتركية، ووُثّق تاريخ الإنجاز على أجزاء من الحزام الذهبي الذي يطوّق رقبة القبة.
وخضعت القبة عبر العقود إلى عدة عمليات ترميم، كان أبرزها في أواخر ستينيات القرن الماضي، حيث أعيد تذهيب الجزء العلوي منها باستخدام أكثر من خمسين كيلوغراماً من الذهب. غير أن القبة تعرضت لاحقاً إلى تغييرات وتشويهات طالت بعض معالمها الزخرفية، فضلاً عن أضرار جسيمة لحقت بها نتيجة الأحداث العسكرية التي شهدتها مدينة النجف عام 1991.
وبعد عام 2003، أُطلقت خطة شاملة لإعادة المعالم الأصلية التي أُزيلت سابقاً، وترميم الأشرطة والصفائح التاريخية المطعمة بالمينا الزرقاء، ليُستكمل لاحقاً مشروع إعادة التذهيب على مرحلتين.
المرحلة الأولى شملت إعادة تذهيب رقبة القبة، حيث بلغ عدد صفائحها (2525) صفيحة مرتبة في 18 صفاً دائرياً، واستُخدم فيها نحو 45 كيلوغراماً من الذهب الخالص، واكتملت عام 2014. أما المرحلة الثانية فتضمنت إعادة تذهيب القسم العلوي من القبة، وافتتاح ورش متخصصة لتجديد الصفائح الذهبية وفق أحدث المعايير الفنية والهندسية، مع توفير معدات خاصة لضمان الدقة والسلامة في التنفيذ.
ومن أبرز مفاصل المشروع إعادة تصنيع الإكليل الذهبي الذي يتوج القبة، وهو عنصر رمزي يحمل دلالات عقائدية مستوحاة من تراث أهل البيت (عليهم السلام). وقد صُنعت نسخة مطابقة للأصل استناداً إلى الأرشيف الفوتوغرافي القديم، وجرى طلاؤها بالذهب الخالص قبل أن تُنصب في مكانها الطبيعي عام 2016 وسط مراسم رسمية وشعبية.
ويؤكد القائمون على المشروع أن أهمية إعادة التذهيب لا تقتصر على البعد الجمالي، بل تمتد إلى الحفاظ على الشواهد التاريخية والمعمارية للمرقد العلوي، ومعالجة التصدعات والأضرار الناجمة عن العوامل المناخية والأحداث السابقة، بما يضمن استدامة هذا الصرح الديني للأجيال القادمة.
واختُتم المشروع بإزاحة الستار عن القبة بحلتها الجديدة أواخر عام 2016، في مشهد جسّد تلاقي الجهد الهندسي بالبعد الروحي، وأعاد للقبّة العلوية بريقها الذي طالما شكّل علامة مميزة في أفق مدينة النجف الأشرف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى