العراق

مبادرات فردية توثق التراث العراقي وتواجه خطر اندثار الذاكرة

مبادرات فردية توثق التراث العراقي وتواجه خطر اندثار الذاكرة

لم يعد توثيق التراث العراقي نشاطاً ثقافياً عابراً، بل تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى مهمة إنقاذ يقودها هواة تصوير ومهتمون بالتاريخ المحلي، يعملون بجهود فردية وإمكانات شخصية لحماية ما تبقى من الذاكرة المعمارية والثقافية في البلاد.
في مبانٍ مهجورة وأحياء آيلة للسقوط، وعلى أطراف مدن أنهكها الإهمال، يحمل هؤلاء كاميراتهم لا بحثاً عن الإثارة، بل سعياً لتوثيق معالم مهددة بالزوال. وغالباً ما تُنفذ هذه المبادرات بعيداً عن أي غطاء مؤسسي أو حماية رسمية، وسط مخاطر تتراوح بين دخول مبانٍ متصدعة ومناطق تفتقر لأبسط شروط السلامة.
ويرى مختصون في السياحة والتراث أن ضعف معرفة شريحة واسعة من المجتمع بتاريخ البلاد شكّل دافعاً لإطلاق محتوى تثقيفي عبر المنصات الرقمية، باستخدام الفيديو والصورة والبث المباشر كوسائل أكثر تأثيراً في إيصال الرسالة، خصوصاً للفئات التي لا تصلها المواد المكتوبة بسهولة. ويؤكد متابعون أن التفاعل الواسع مع هذا النوع من المحتوى يعكس تعطشاً مجتمعياً لاستعادة الصلة بالماضي.
وقد أسهمت هذه الجهود في إعادة تسليط الضوء على مواقع منسية، ما دفع في بعض الحالات جهات محلية إلى التحرك لإعادة تأهيل معالم تراثية أو إدراجها ضمن خطط الحماية. كما ساعد الانتشار الرقمي في تحريك السياحة الداخلية، إذ تحولت أماكن بعيدة عن الخرائط التقليدية إلى وجهات يقصدها الزوار بدافع الفضول والحنين.
وفي مدن كانت قد عانت من الإهمال أو من آثار الصراعات، أعادت المبادرات الفردية إبراز معالم تاريخية مثل النواعير والمواقع الأثرية القديمة، ما شجع على تنظيم فعاليات ثقافية وجولات تعريفية أسهمت في استعادة الحضور السياحي لتلك المناطق.
ويؤكد مصورون مستقلون أن توثيق البيوت البغدادية القديمة أو المواقع المهجورة قبل هدمها يمنحها حياة جديدة في الذاكرة الجمعية، معتبرين أن الصورة قد تكون الدليل الأخير على وجود مكان أو حقبة كاملة. ويشير بعضهم إلى أن مقاطع مصورة نشروها دفعت مواطنين للمطالبة بحماية مواقع تراثية، أعقبها تحرك رسمي لزيارتها أو صيانتها.
كما يلفت صناع محتوى إلى أن هذا الحراك الرقمي خلق نوعاً من السياحة الداخلية غير المخططة، حيث يقود الفضول المتابعين لاكتشاف تاريخهم بأنفسهم، في حين يرى فنانون وباحثون أن ما يجري يمثل “أرشفة شعبية” تدعم الدراسات الأكاديمية وتعزز ارتباط الإنسان بوطنه.
وبين غياب الدعم المؤسسي وضعف التوثيق الرسمي، تبدو هذه المبادرات الفردية خط الدفاع الأخير عن ذاكرة مدنٍ مهددة بالنسيان، في محاولة لحفظ ما يمكن حفظه قبل أن يطويه الإهمال أو الهدم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى