انتفاضة النصف من شعبان… محطة مفصلية في تاريخ العراق الحديث

انتفاضة النصف من شعبان… محطة مفصلية في تاريخ العراق الحديث
تُعدّ انتفاضة النصف من شعبان واحدة من أبرز وأوسع الانتفاضات الشعبية في تاريخ العراق الحديث، إذ اندلعت كردّة فعل على عقود من القمع السياسي والاقتصادي والديني الذي مارسه نظام صدام حسين بحق مختلف مكوّنات الشعب العراقي.
وجسّدت الانتفاضة الشعبانية إرادة العراقيين في التغيير والتحرر، رغم ما واجهته من قمع وحشي، وأسست لمسار تحوّلات سياسية كبرى مهّدت في نهايتها لسقوط النظام البعثي عام 2003. ولم تكن هذه الانتفاضة حدثًا عابرًا أو وليد لحظة طارئة، بل جاءت امتدادًا لسلسلة من الحركات والانتفاضات السابقة، من بينها انتفاضة صفر عام 1977 وانتفاضة رجب عام 1979، إلى جانب الدور المحوري للتحرك السياسي والجهادي للمرجعية الدينية ومواقفها الصلبة في حماية الحوزة العلمية خلال أشد مراحل الهيمنة البعثية.
وتجاوزت الانتفاضة الشعبانية كونها حدثًا سياسيًا، لتتحول إلى واحدة من أهم اللحظات الثورية في تاريخ العراق، حين أعلن الشعب رفضه الكامل لنظام البعث، وتمكن من إسقاط هيبته في معظم المحافظات العراقية وأجزاء من العاصمة بغداد، قبل أن يتدخل العامل الخارجي، بقيادة الولايات المتحدة وبعض الدول العربية، ليمنح النظام آنذاك فرصة للنجاة وقمع الثورة.
وقد سطر أبناء الانتفاضة ملاحم نادرة من التضحية والفداء والإيثار، أربكت النظام وألهمت دروسًا في الصمود والمواجهة، في وقت واجهت فيه المدن العراقية عمليات قصف جوي واسعة، وتدميرًا للبنى الزراعية، وحرقًا للبساتين، وارتكاب مجازر مروعة شملت دفن الآلاف أحياء في مقابر جماعية، لا يزال مصير عدد كبير من ضحاياها مجهولًا حتى اليوم.
ورغم حجم التضحيات والدماء التي قُدمت، يرى متابعون أن الانتفاضة الشعبانية حققت نجاحًا تاريخيًا في مساراتها ونتائجها، وشكلت منعطفًا حاسمًا في وعي أبناء المرجعية الدينية ومسار نضالهم، وكانت خطوة أساسية على طريق تحرير العراق من الظلم والطغيان.
وبعد مرور 35 عامًا على تلك الانتفاضة المباركة، التي غُيّب كثير من رجالاتها في المقابر الجماعية، تتجدد الدعوات إلى توثيق بطولاتها وكتابة تاريخها بصدق وأمانة، حفاظًا على ذاكرة الوطن، ونقلًا لتلك الصور المشرقة من الشجاعة والتضحية إلى الأجيال التي لم تعايش تلك المرحلة المفصلية من تاريخ العراق.



