العالم

تداعيات الحرب في الشرق الأوسط تمتد إلى الأمن الغذائي العالمي وسط ارتفاع حاد في أسعار الأسمدة

تداعيات الحرب في الشرق الأوسط تمتد إلى الأمن الغذائي العالمي وسط ارتفاع حاد في أسعار الأسمدة

في تطور يعكس اتساع التأثيرات غير المباشرة للحرب الدائرة في الشرق الأوسط، لم تعد الأزمة تقتصر على أسواق الطاقة وإمدادات النفط والغاز، بل امتدت بشكل متسارع إلى قطاع الزراعة والأمن الغذائي العالمي، نتيجة اضطرابات حادة في سلاسل إمداد الأسمدة التي تُعد عنصرًا أساسيًا في إنتاج الغذاء حول العالم.
وحذّر كبير الاقتصاديين في منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) من أن استمرار الحرب لفترة تتراوح بين ثلاثة إلى ستة أشهر قد يؤدي إلى تداعيات اقتصادية خطيرة تتجاوز قطاعي الغذاء والطاقة، لتطال مجمل الاقتصاد العالمي، مشيرًا إلى أن الأسواق قد تتمكن من احتواء الصدمة إذا انتهى النزاع خلال فترة قصيرة، لكن إطالته ستؤدي إلى موجة ارتفاعات حادة في الأسعار وتراجع معدلات النمو في العديد من الدول.
وأظهرت تقارير اقتصادية أن إغلاق مضيق هرمز شبه الكامل منذ اندلاع الحرب في 28 شباط/فبراير 2026 أدى إلى تعطّل جزء كبير من تجارة الأسمدة العالمية، إذ يمر عبر هذا الممر البحري نحو ثلث تجارة الأسمدة في العالم، إضافة إلى نسبة كبيرة من شحنات الغاز الطبيعي المستخدم في إنتاجها.
وبفعل الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة التي استهدفت منشآت الطاقة في منطقة الخليج، توقفت أو تقلصت عمليات الإنتاج في عدد من مصانع الأسمدة داخل المنطقة وخارجها، ما أدى إلى ارتفاع ملحوظ في الأسعار. وتشير البيانات إلى أن أسعار الأسمدة النيتروجينية، وعلى رأسها اليوريا، ارتفعت بنحو 40% منذ بداية الحرب، لتتجاوز 700 دولار للطن، مقارنة بأقل من 500 دولار قبل اندلاع النزاع.
كما سجلت الأسواق الأمريكية ارتفاعًا في الأسعار بنسبة تصل إلى 32%، في وقت يعاني فيه القطاع الزراعي من نقص يُقدّر بنحو 25% في الإمدادات خلال موسم الزراعة الربيعي، ما يهدد بتراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع تكاليف الغذاء.
وتزايدت المخاوف من استمرار الأزمة في ظل محدودية القدرة الإنتاجية لدى كبار المنتجين، خاصة مع إعلان روسيا تعليق صادرات نترات الأمونيوم مؤقتًا لتلبية احتياجاتها المحلية، إضافة إلى فرض الصين قيودًا على صادرات الأسمدة، الأمر الذي قلص المعروض في الأسواق العالمية.
وتبرز آثار الأزمة بشكل خاص في الدول التي تعتمد بشكل كبير على واردات الأسمدة من الشرق الأوسط. ففي الهند، اضطرت السلطات إلى خفض الإنتاج في عدد من مصانع الأسمدة بسبب تراجع إمدادات الغاز الطبيعي، بينما أغلقت بنغلاديش معظم مصانعها نتيجة نقص الوقود. كما تواجه دول أخرى في آسيا وأفريقيا، مثل باكستان والصومال وكينيا، مخاطر متزايدة نتيجة ضعف مخزوناتها واعتمادها الكبير على الاستيراد.
وفي أمريكا اللاتينية، تُعد البرازيل من أكثر الدول عرضة للتأثر، نظرًا لاعتمادها الكبير على واردات الأسمدة التي يمر جزء كبير منها عبر مضيق هرمز، في حين تعاني أستراليا أيضًا من نقص ملحوظ في الإمدادات بسبب اعتمادها على الأسواق الخارجية.
ويحذر خبراء من أن خطورة هذه التطورات تكمن في أن الأسمدة تسهم في إنتاج نحو نصف الغذاء العالمي، وتشكل في بعض الدول ما يصل إلى نصف تكلفة إنتاج الحبوب، ما يعني أن أي اضطراب طويل الأمد في إمداداتها سيؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء وتفاقم أزمة الأمن الغذائي، خصوصًا في الدول منخفضة الدخل.
ومع استمرار الحرب وتصاعد التوترات في منطقة الخليج، تبدو الأسواق العالمية أمام تحدٍ متزايد، حيث تتداخل أزمات الطاقة والغذاء في مشهد اقتصادي معقد قد يترك آثارًا طويلة الأمد على الاستقرار الغذائي والاقتصادي في العديد من دول العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى