العالم

الجنوب العالمي يعيد رسم موازين النظرة إلى صراع الشرق والغرب وسط تآكل المصداقية الأخلاقية للغرب

الجنوب العالمي يعيد رسم موازين النظرة إلى صراع الشرق والغرب وسط تآكل المصداقية الأخلاقية للغرب

تتسع الفجوة في الرؤى السياسية بين الدول الغربية ودول ما يُعرف بـ”الجنوب العالمي”، في ظل تحولات متسارعة تعيد تشكيل موازين النظر إلى الصراع القائم بين الشرق والغرب، وتكشف عن اختلاف عميق في تقييم أدوار القوى الكبرى، وعلى رأسها الصين وروسيا، مقارنةً بالسردية الغربية السائدة.
ففي الوقت الذي تركز فيه عواصم غربية على اعتبار بكين وموسكو تهديداً مباشراً للنظام الدولي، تنظر قطاعات واسعة من شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية إلى المشهد من زاوية مغايرة، تستحضر تجارب تاريخية مع الاستعمار والتدخلات الغربية، ما يجعل صورتَي الصين وروسيا أقل قتامة في الوعي العام لتلك المجتمعات. ويرى مراقبون أن صناع القرار في الغرب نادراً ما يبذلون جهداً كافياً لفهم الخلفيات السياسية والتاريخية التي تفسر هذا التباين في المواقف.
وقد برز هذا الاختلاف بوضوح منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022. فعلى الرغم من أن عدداً من دول الجنوب العالمي أدان الهجوم الروسي، إلا أن معظمها لم ينخرط في منظومة العقوبات الغربية الواسعة ضد موسكو، مفضلاً الحفاظ على علاقاته الاقتصادية والسياسية معها. وفي ديسمبر 2025، استقبل رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في نيودلهي استقبالاً رسمياً، في خطوة عُدت رسالة واضحة بأن محاولات عزل روسيا دولياً لا تحظى بإجماع عالمي.
في المقابل، يقدم الخطاب الغربي الحرب على أنها اعتداء غير مبرر بالكامل، فيما يشير منتقدون إلى أن توسع حلف شمال الأطلسي شرقاً بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ساهم في تصاعد التوتر مع موسكو، وهو ما كان قد حذر منه مفكرون ودبلوماسيون غربيون منذ عقود. وقد زادت تصريحات الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا في مايو 2022 من تعقيد النقاش، حين اعتبر أن مسؤولية الحرب لا تقع على روسيا وحدها، بل تتحملها أيضاً الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بسبب سياسات التوسع الأطلسي.
وزاد تزامن الحرب الأوكرانية مع الحرب في قطاع غزة خلال عامي 2024 و2025 من حدة الانتقادات الموجهة للغرب، حيث رأى كثيرون في الجنوب العالمي أن المواقف الأوروبية والأمريكية عكست ازدواجية في المعايير، عبر إدانة استهداف المدنيين في أوكرانيا، مقابل مواقف أقل حدة تجاه العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة. هذا التباين، وفق مراقبين، أسهم في تآكل ما يُعرف بـ”الرصيد الأخلاقي” للغرب، وأضعف قدرته على حشد دعم دولي واسع لمواقفه.
وفي سياق متصل، واجه الاتحاد الأوروبي تحديات داخلية في تعويض التراجع الأمريكي في دعم أوكرانيا، خصوصاً مع تحولات السياسة الأمريكية خلال عام 2025. ورغم دعوات بعض القادة الأوروبيين إلى تحمل مسؤولية أكبر، لم تُقدم حكومات الاتحاد على إجراءات تقشفية واسعة لتمويل الحرب، ما حدّ من قدرتها على لعب دور قيادي مستقل، وأدى إلى حالة من العزلة النسبية بين بروكسل وكل من واشنطن وبعض دول الجنوب العالمي.
ويرى محللون أن إعادة بناء الثقة بين الغرب ودول الجنوب العالمي تتطلب مراجعة أعمق للسياسات السابقة، والاعتراف بحساسية التوازنات الجيوسياسية، فضلاً عن تبني مقاربة أكثر اتساقاً في القضايا الدولية، بما يعيد صياغة العلاقة على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، في عالم بات متعدد الأقطاب بصورة متزايدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى