الحرب الإعلامية الرقمية تثير تساؤلات حول دور “الترند” في تشكيل الحقيقة

الحرب الإعلامية الرقمية تثير تساؤلات حول دور “الترند” في تشكيل الحقيقة
تتصاعد النقاشات حول طبيعة التأثير الإعلامي في العصر الرقمي، مع بروز ما يُعرف بالحرب الإعلامية القائمة على الانتشار السريع للمحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث بات “الترند” عاملاً حاسماً في توجيه الرأي العام، في وقت تتراجع فيه مركزية الحقيقة التقليدية كمقياس وحيد للنجاح الإعلامي.
وتشير تحليلات إعلامية إلى أن استخدام الميمات الساخرة والفيديوهات الفيروسية المدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي خلال النزاعات الحديثة، يعكس تحولاً عميقاً في طبيعة المعارك الإعلامية، إذ لم تعد المصداقية المرتبطة بالوقائع وحدها معيار التأثير، بل أصبحت الخوارزميات ومستوى التفاعل العاطفي وسرعة الانتشار عناصر رئيسية في تشكيل السرديات الرقمية.
تحول من الدعاية التقليدية إلى النفوذ عبر المنصات
ويرى مختصون أن هذا التحول يمثل انتقالاً من نموذج الدعاية الرسمية التقليدية إلى نموذج يعتمد على المحتوى التفاعلي الذي يبحث عنه المستخدم بنفسه، ما يمنح الجهات الفاعلة قدرة أكبر على الوصول إلى الجمهور العالمي بتكاليف أقل وسرعة أعلى في مواكبة الأحداث.
كما يتيح هذا النمط من الاتصال للدول أو الجهات ذات الموارد المحدودة منافسة قوى إعلامية كبرى، من خلال إنتاج محتوى سريع ومتجدد وقابل للتكيف مع الثقافة الرقمية السائدة، الأمر الذي يعزز قدرتها على التأثير في النقاشات العامة على المستوى الدولي.
الانتشار العاطفي بديلاً عن التحليل المعمق
وتبرز ميزة هذا النوع من المحتوى في اعتماده على الرسائل العاطفية المبسطة التي يسهل فهمها ومشاركتها، ما يجعلها أكثر قابلية للانتشار مقارنة بالمحتوى التحليلي المعقد، حيث يرتبط حجم الانتشار غالباً بشدة التأثير العاطفي وليس بعمق المعلومات المقدمة.
ويؤكد خبراء أن استهداف فئة الشباب والجمهور العالمي عبر عناصر بصرية وثقافية مألوفة، مثل الموسيقى الساخرة أو الشخصيات الكرتونية، يعكس تحولاً في الاستراتيجيات الإعلامية نحو منافسة عالمية على السرديات، بدلاً من التركيز على الجمهور المحلي فقط.
تلاشي الحدود بين الترفيه والدعاية
وفي ظل هذا التطور، بات من الصعب التمييز بين الترفيه والرسالة السياسية، إذ يُقدم المحتوى الترفيهي أولاً ثم ينقل الرسالة بشكل غير مباشر، ما يدفع الجمهور إلى استهلاكه وإعادة نشره دون إدراك كامل لطبيعته السياسية، الأمر الذي يعزز تأثيره وانتشاره.
ويخلص مراقبون إلى أن القوة في النزاعات الحديثة لم تعد تعتمد فقط على القدرات العسكرية أو الاقتصادية، بل أصبحت مرتبطة بقدرة الأطراف على تشكيل السرديات الرقمية وجذب انتباه الجمهور في ما يُعرف باقتصاد الانتباه الرقمي، وهو اتجاه يُتوقع أن يتعزز مع التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي.




