كرامة الإنسان.. الأساس الفقهي والإنساني في رؤية أمير المؤمنين (عليه السلام)

كرامة الإنسان.. الأساس الفقهي والإنساني في رؤية أمير المؤمنين (عليه السلام)
كرامة الإنسان ليست مجرد وصف أخلاقي، بل قاعدة فقهية أساسية في السيرة العلوية، تؤكد على حماية حقوق المكلَّف وتحقيق العدالة الاجتماعية في جميع جوانب الحياة.
في الفقه والكلام الإمامي، لا يعد الإنسان مجرد موضوع للأحكام، بل هو محور الحكم والمكلَّف الذي حظي بالتكريم الإلهي. وقد أسس القرآن الكريم، بالتعبير الجامع: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، أصل الكرامة الذاتية؛ وتعد سيرة علي بن أبي طالب عليه السلام تفسيرا عمليا لهذه القاعدة.
في المقاربة العلوية، ليست الكرامة وصفا أخلاقيا مجردا فحسب؛ بل هي أصل فقهي حاكم على جميع العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والحكومية. فعندما يتحدث الفقيه الإمامي عن حرمة إذلال المؤمن، وغصب الأموال، والافتراء، فإنه في الحقيقة يبحث في الفروع الفقهية لقاعدة حفظ كرامة الإنسان.
لقد أثبت في التفسير والفقه أن آية الكرامة تحمل شأنا حقوقيا، لا مجرد وصف بياني. وبناء على ذلك يمكن استخراج قاعدة فقهية ـ أصولية، مؤداها أن كل حكم يؤدي إلى الإهانة أو التحقير أو نفي إنسانية المكلَّف، فهو فاقد للمشروعية الشرعية، ما لم يرد دليل قطعي على خلاف ذلك.
وقد مضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في سيرته الحكومية إلى تطبيق هذه القاعدة في عمق الواقع، حتى كان مضمونها: «الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق».
وترى السيرة العلوية تلازما بين الفقر الاقتصادي وإهانة كرامة الإنسان. وفي التحليل الروائي، إذا أدى الفقر إلى الذل الاجتماعي فإنه يكون «حراما» ويجب دفعه. كما قال الإمام (عليه السلام): «لَوْ تَمَثَّلَ لِي الْفَقْرُ رَجُلًا لَقَتَلْتُهُ».
وعلى هذا الأساس، فإن من فلسفة التوزيع المتوازن لبيت المال ـ من دون تمييز قومي أو طبقي ـ صيانة الكرامة الإنسانية للفقراء.
ومن المنظور الفقهي، فإن حرمان المستحق من نصيبه في بيت المال يعد مصداقً لـ “أكل المال بالباطل” ونوعا من الظلم الوجودي.
ويراعي فقه القضاء في المدرسة العلوية الكرامة في مستويين: الأول في مقام المحاكمة العادلة، والثاني في الخطاب الإنساني مع المجرم.
فقد أوصى أمير المؤمنين عليه السلام، قبل تنفيذ الحد على قاتله، بمراعاة الأدب والعدل؛ أي إن الإنسانية لا تسقط حتى في موضع تنفيذ العدالة.
ومن هنا صرح فقهاء الإمامية في باب الحدود بأنه يراعى في إقامة الحد الأدب والرفق وصون الإنسان عن الإهانة، ويمثل هذا البعد الإنساني وجه التميز للفقه الإمامي عن المدارس القانونية غير الإلهية.
وفي تحليل الفلسفة السياسية الشيعية، ترتكز الإنسانية العلوية على الاعتقاد بخلافة الإنسان عن الله؛ وعليه فإن حفظ كرامة البشر هو في الحقيقة حفظ لحيثيته بوصفه خليفة لله.
فالفقه الإمامي، اقتداء بسيرة أمير المؤمنين (عليه السلام)، يعد كرامة الإنسان من مراتب واجب الحفظ، ويرى أنها حاكمة على جميع أبواب الفقه، من المعاملات إلى السياسة.




