اليمن

التعدين في اليمن.. صراع السيادة وثروات الليثيوم يشعلان التنافس الإقليمي

التعدين في اليمن.. صراع السيادة وثروات الليثيوم يشعلان التنافس الإقليمي

تشهد الساحة اليمنية تحولات جديدة في مسار النزاع، مع انتقال المنافسة الإقليمية من الطابع العسكري إلى البعد الاقتصادي، وتحديداً نحو قطاع التعدين الذي يُعد من الملفات السيادية الحساسة في البلاد. فمع تثبيت النفوذ السعودي في أجزاء من جنوب اليمن، برزت تقارير تتحدث عن تحركات تهدف إلى إحكام السيطرة على قطاع المعادن، في وقت تتصاعد فيه أهمية الموارد الاستراتيجية عالمياً، وعلى رأسها الليثيوم.
وبحسب معطيات متداولة، حصلت وزارة الصناعة والمعادن السعودية على تفويض لإبرام اتفاقيات تتعلق بقطاع التعدين في اليمن، بالتزامن مع تشكيل حكومة جديدة موالية للرياض وأدائها اليمين خارج البلاد. ويرى مراقبون أن هذا التزامن يعكس توجهاً نحو ترسيخ نفوذ اقتصادي طويل الأمد في بلد يعاني انقساماً سياسياً ومؤسساتياً عميقاً.
ويصنّف قطاع التعدين في الدستور اليمني ضمن الشؤون السيادية، ما يعني أن أي اتفاقيات استراتيجية أو طويلة الأمد يفترض أن تحظى بموافقة برلمانية، في ظل واقع مؤسسي منقسم وتعدد في مراكز السلطة. هذا الفراغ القانوني، وفق خبراء قانونيين، قد يفتح الباب أمام جدل واسع حول شرعية الاتفاقيات الموقعة خلال فترة النزاع، ويجعلها عرضة للطعن أو الإلغاء مستقبلاً.
في المقابل، تؤكد مصادر في صنعاء أن أي اتفاقيات تُبرم دون توافق وطني شامل تعد غير شرعية، محذّرة من أن إدارة ملف الموارد الطبيعية في ظل الانقسام قد تؤدي إلى تعميق الصراعات الداخلية وتحويل الثروات إلى بؤر توتر إضافية.
وتتداخل في هذا الملف أيضاً أبعاد تنافسية بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، حيث تشير تقارير محلية إلى سباق غير معلن للسيطرة على مناجم محافظات حضرموت وشبوة وأبين. وخلال السنوات الماضية، ارتبطت أنشطة استخراج الرمال السوداء وبعض المعادن النادرة بجهات إماراتية، قبل أن تبرز مؤشرات على تحرك سعودي لتعزيز حضورها في المواقع ذات القيمة الاستراتيجية.
وتكتسب هذه التحركات أهمية خاصة في ظل التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، إذ يُعد الليثيوم من المعادن الأساسية في صناعة البطاريات والسيارات الكهربائية وأنظمة تخزين الطاقة. وتشير تقديرات دولية إلى أن الطلب العالمي على الليثيوم مرشح للارتفاع بأكثر من ثلاثة أضعاف بحلول عام 2031، ما يضع اليمن – في حال تأكدت احتياطياته – ضمن خريطة المعادن الاستراتيجية.
وكانت وزارة النفط والمعادن في عدن قد أعلنت قبل نحو عام عن اكتشاف كميات كبيرة من الليثيوم في جنوب البلاد، داعية إلى استثمارات في البنية التحتية والتقنيات الحديثة لاستخراج هذه الموارد. كما تحدثت تقارير محلية عن تمركز قوات مدعومة من الرياض قرب مناطق يُعتقد أنها تحتوي على خامات ذات صلة بالليثيوم ومعادن نادرة أخرى.
ووفق بيانات منشورة على الموقع الرسمي لإدارة المعادن في صنعاء، يمتلك اليمن احتياطيات كبيرة من الذهب والزنك والرصاص والنحاس والتيتانيوم والرمال السوداء، إلى جانب معادن ثقيلة أخرى. ورغم الحاجة إلى مزيد من الدراسات الميدانية للتحقق من دقة هذه الأرقام، فإنها تعكس إمكانات اقتصادية ضخمة قد تحول اليمن إلى لاعب إقليمي مهم في سوق المعادن، إذا ما تحقق الاستقرار السياسي والإدارة الشفافة.
غير أن خبراء يحذرون من أن توقيع عقود استغلال الموارد في أوقات الأزمات وغياب التوافق الوطني قد يحول الثروة إلى ما يُعرف بـ”نقمة الموارد”، وهو سيناريو شهدته دول أخرى خرجت من نزاعات طويلة. كما أن تجارب سابقة لاتفاقيات اقتصادية وُقعت خلال سنوات الحرب أثارت جدلاً واسعاً حول مدى مراعاتها للمصلحة الوطنية.
في ضوء ذلك، تبدو مناجم اليمن اليوم ساحة جديدة للتنافس الجيوسياسي، تتقاطع فيها اعتبارات السيادة الوطنية مع حسابات الطاقة العالمية ومصالح القوى الإقليمية، فيما يبقى مستقبل هذا القطاع مرهوناً بمسار الحل السياسي وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس توافقية شاملة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى