شاهد على مجزرة كربلاء يوثّق آثار الغزو الوهابي واتهامات بتواطؤ حاكم المدينة

شاهد على مجزرة كربلاء يوثّق آثار الغزو الوهابي واتهامات بتواطؤ حاكم المدينة
تكشف مدوّنات الرحالة الهندي أبو طالب خان، الذي زار كربلاء المقدسة عام 1803، جانباً مهماً من آثار الغزو الوهابي للمدينة، وما خلّفه من قتلى وجرحى ودمار ونهب للممتلكات والمرقد الحسيني الشريف، فضلاً عن اتهامات كانت متداولة آنذاك بشأن تواطؤ حاكم كربلاء عمر آغا مع المهاجمين.
وكان أبو طالب خان قد وصل إلى كربلاء في الأول من مارس/آذار 1803، قادماً من بغداد، في وقت كانت آثار الهجوم لا تزال ماثلة في المدينة، وسجّل مشاهداته وما سمعه من السكان في كتاب رحلته المعروف بـ«مسير طالبي»، الذي أصبح لاحقاً مصدراً لعدد من المؤرخين والباحثين في تاريخ العراق.
وبحسب روايته، استغل المهاجمون وجود أعداد كبيرة من أهالي كربلاء خارج المدينة لإحياء زيارة أمير المؤمنين الإمام علي عليه السلام في النجف الأشرف يوم عيد الغدير، فدخلوا كربلاء ونفذوا عمليات قتل ونهب واسعة، طالت السكان والمنازل والأسواق والمراقد المقدسة. وقدّر أبو طالب عدد القتلى بنحو خمسة آلاف شخص والجرحى بعشرة آلاف، وهي أرقام تاريخية وردت في روايته، فيما تختلف المصادر الأخرى في تقدير حصيلة المجزرة.
وسجّل الرحالة أن المهاجمين استولوا على الذهب والفضة والمقتنيات الثمينة، وحاولوا نزع الصفائح الذهبية من المشهد الحسيني، إلا أنهم لم يتمكنوا من ذلك بسبب متانة تثبيتها، بينما تعرضت أجزاء من المرقد والمشاهد الأخرى للتخريب والنهب. ووصف أبو طالب وقع ما سمعه وشاهده في كربلاء بأنه كان بالغ القسوة، مشيراً إلى أن الحادثة بقيت الحديث الطاغي بين سكان المدينة بعد أشهر من وقوعها.
وتكتسب روايته أهمية إضافية لما تضمنته بشأن موقف السلطات المحلية آنذاك، إذ ذكر أن حاكم كربلاء عمر آغا اتُهم بـ«مواطأة الوهابيين» والتواصل معهم، مستنداً إلى هروبه إلى قرية مجاورة عند وقوع الهجوم وعدم قيامه بمقاومة المهاجمين. ويذكر المصدر أن عمر آغا حوكم لاحقاً وصدر بحقه حكم بالإعدام بأمر من سليمان باشا والي بغداد.
ونقلت مصادر تاريخية لاحقة، من بينها ما أورده ستيفن هيمسلي لونكريك، الاتهامات نفسها بشأن تقاعس عمر آغا والشكوك التي أحاطت بموقفه، إلا أن القول بوجود اتفاق منظم بين مجمل السلطة العثمانية والوهابيين يبقى تفسيراً تاريخياً يحتاج إلى أدلة مستقلة إضافية، ولا يثبته نص رحلة أبي طالب وحده.
وتقدم رحلة أبو طالب أيضاً صورة عن حجم الأثر الاجتماعي للمجزرة، إذ روى أنه التقى عمته «كربلائي بيكم» في كربلاء بعدما سُلبت ممتلكاتها خلال الهجوم، فقدم لها مساعدة مالية، في مشهد يعكس جانباً من التداعيات التي أصابت سكان المدينة عقب عمليات القتل والنهب.
كما وصف الرحالة حالة كربلاء بعد المجزرة، مشيراً إلى تراجع الأمن وهجرة عدد من سكانها، في مقابل بدء العمل على إعادة إعمار ما تضرر وتقوية تحصينات المدينة، فيما وثق تفاصيل المرقد الحسيني الشريف ومراقد الشهداء والمواقع الدينية التي شاهدها خلال زيارته.
وتبقى شهادة أبي طالب خان واحدة من الروايات القريبة زمنياً من حادثة كربلاء، إذ وصل إلى المدينة بعد أشهر من الهجوم، وسجل في «مسير طالبي» صورة عن حجم المأساة التي بقيت آثارها حاضرة في ذاكرة سكانها، لتتحول رحلته لاحقاً إلى وثيقة يستند إليها الباحثون عند دراسة واحدة من أكثر الحوادث دموية في تاريخ كربلاء الحديث.




