العراق

مكتبات النجف الأشرف.. تراث ألف عام من المخطوطات النادرة يحفظ ذاكرة الحضارة الإسلامية

مكتبات النجف الأشرف.. تراث ألف عام من المخطوطات النادرة يحفظ ذاكرة الحضارة الإسلامية

تُعد مكتبات مدينة النجف الأشرف من أبرز المراكز العلمية والثقافية في العالم الإسلامي، لما تضمه من كنوز معرفية ومخطوطات نادرة يمتد تاريخ بعضها لأكثر من ألف عام، ما يجعلها خزائن حية للتراث الإنساني والديني. وتتنوع مقتنيات هذه المكتبات بين مصاحف قديمة وكتب حجرية ومخطوطات فريدة كُتبت بوسائط غير تقليدية، مثل الجلد أو المواد الطبيعية النادرة، في دلالة على عمق الإرث العلمي الذي احتضنته المدينة عبر القرون.
وتحظى النجف بمكانة علمية وروحية خاصة، بوصفها مركزاً للحوزة العلمية ومقصداً للباحثين وطلبة العلم من مختلف أنحاء العالم، حيث أسهمت مكتباتها في حفظ علوم الفقه واللغة والطب والفلك وغيرها من المعارف.

الخزانة العلوية.. مصاحف ومخطوطات تعود لأكثر من ألف عام
تُعد الخزانة العلوية من أقدم المكتبات في العراق، إذ يعود تأسيسها إلى القرن الرابع الهجري على يد عضد الدولة البويهي، لتحتل المرتبة الثانية من حيث القِدم بعد المتحف الوطني. وتضم الخزانة مجموعة نفيسة من المصاحف والمخطوطات التي أُهديت عبر العصور إلى مرقد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام).
وأوضح مسؤول وحدة البحوث والدراسات في الخزانة، علي لفتة العيساوي، أن مقتنيات الخزانة تنقسم إلى قسمين رئيسيين، الأول يضم مصاحف شريفة تُعد من أنفس المصاحف في العالم، ومن بينها مصاحف منسوبة إلى كبار الخطاطين مثل ياقوت المستعصمي، إضافة إلى مصاحف رقّية تجاوز عمرها ألف عام، أبرزها مصحفان منسوبان إلى الإمام علي والإمام الحسن (عليهما السلام).
أما القسم الثاني فيشمل مخطوطات علمية كتبها علماء الحوزة العلمية قبل أكثر من ألف عام، من بينها مؤلفات منسوبة إلى الشيخ الطوسي والعلامة الحلي، ويبلغ مجموع المخطوطات في الخزانة نحو ثمانية آلاف مخطوطة تغطي مختلف العلوم الإنسانية. كما باشرت العتبة العلوية بعد عام 2003 بإنشاء مركز متخصص لترميم وتصوير المخطوطات باستخدام تقنيات حديثة، ما أسهم في حفظ هذه الكنوز العلمية للأجيال المقبلة.

المكتبة الحيدرية.. صرح علمي يضم مئات الآلاف من الكتب
شهدت المكتبة الحيدرية تطوراً كبيراً منذ افتتاحها عام 2005 بتوجيه من مكتب المرجع الديني الأعلى، حيث ارتفع عدد مقتنياتها من نحو ثمانية آلاف كتاب عند تأسيسها إلى أكثر من 350 ألف كتاب حالياً، ما جعلها واحدة من أكبر المكتبات الدينية والعلمية في النجف.
وقال مسؤول المكتبة الورقية فيها، علي كاظم حمد، إن المكتبة استقبلت أكثر من 130 مكتبة شخصية جرى وقفها لصالحها، إضافة إلى نحو ثمانية آلاف رسالة جامعية، كما تضم قرابة 450 ألف عنوان متخصص في سيرة الإمام علي (عليه السلام). ويصل عدد رواد المكتبة إلى نحو ألفي زائر شهرياً، فيما تحتوي على أكثر من 400 عنوان مجلة علمية ودينية متاحة للباحثين من مختلف الطوائف والأديان. ويُعد أقدم مطبوع محفوظ فيها مجلة “الجنان” الصادرة عام 1880.

مكتبة الحسن (عليه السلام).. مخطوطات نادرة وبيئة علمية لطلبة الحوزة
تحولت مكتبة الحسن (عليه السلام) من مجموعة صغيرة من الكتب إلى واحدة من أبرز مكتبات النجف، إذ تضم اليوم أكثر من 100 ألف كتاب يقصدها طلبة الحوزة العلمية وطلبة الدراسات العليا من مختلف الجامعات العراقية.
وأوضح مسؤول المكتبة الشيخ مهدي باقر القريشي أن المكتبة تحتفظ بعدد من المخطوطات النادرة التي يتجاوز عمر بعضها 700 عام، إضافة إلى مخطوطة لكتاب “نهج البلاغة” أُهديت من الهند، وأخرى يزيد عمرها على ألف عام. كما أشار إلى أن أحد مؤسسي المكتبة، العلامة الشيخ باقر القرشي، ألّف نحو 100 عنوان علمي في مجالات متعددة، ما يعكس الدور العلمي والثقافي الذي اضطلعت به المكتبة عبر السنوات.

مكتبة كاشف الغطاء.. توثيق ملايين الوثائق وحفظ التراث من الضياع
واجهت مكتبة كاشف الغطاء تحديات كبيرة خلال العقود الماضية، خاصة في تسعينيات القرن الماضي، حيث تعرضت بعض المخطوطات للتلف أو الحرق نتيجة الظروف الأمنية الصعبة، إلا أن جهود التوثيق والترميم أسهمت في إنقاذ جزء كبير من هذا التراث.
وقال مسؤول المكتبة الشيخ أحمد كاشف الغطاء إن المؤسسات العلمية تمكنت من تصوير نحو 55 ألف نسخة خطية، إضافة إلى فهرسة وتصوير ما يقارب ثمانية ملايين صورة ووثيقة تاريخية، في خطوة مهمة للحفاظ على الذاكرة الثقافية العراقية. وتضم المكتبة أكثر من 40 ألف كتاب، بينها ألف نسخة نفيسة، إضافة إلى أقدم نسخة للصحيح البخاري بطبعته الأولى، ونسخة مبكرة من الكتاب المقدس (الإنجيل) مطبوعة في برلين، فضلاً عن ترجمة عربية تعود إلى عام 1600 ميلادي.
وتبقى مكتبات النجف الأشرف شاهداً حياً على تاريخ علمي عريق امتد لقرون، ومركزاً عالمياً للمعرفة الدينية والإنسانية، يسهم في حفظ التراث الإسلامي ونقله إلى الأجيال القادمة، في مدينة ما زالت تحتفظ بدورها كمحور علمي وروحي يقصده ملايين الزائرين والباحثين سنوياً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى