العراق

«قلعة باشطابيا» في الموصل.. حارس دجلة التاريخي يواجه خطر الانهيار وسط دعوات لإنقاذ عاجل

«قلعة باشطابيا» في الموصل.. حارس دجلة التاريخي يواجه خطر الانهيار وسط دعوات لإنقاذ عاجل

تقف قلعة باشطابيا شامخة على أعلى نقطة في المدينة القديمة بالموصل، مطلّة على نهر دجلة، شاهدة على تعاقب الحضارات والتحولات العسكرية والعمرانية التي شهدتها المدينة عبر قرون طويلة. غير أن هذا المعلم التاريخي البارز يواجه اليوم تهديداً حقيقياً بالانهيار، في ظل تدهور بنيوي متسارع وغياب أعمال الصيانة الدورية لعقود.
القلعة، التي يُعتقد أن اسمها ذو أصل تركي بمعنى “البرج الكبير”، تمثل نموذجاً معمارياً متراكماً؛ إذ يعود الجزء السفلي منها إلى العصر الأموي، فيما أضيفت أجزاؤها العلوية خلال العهد العثماني، ما يجعلها شاهداً معمارياً على مراحل تاريخية متعاقبة. وقد منحها موقعها الاستراتيجي المرتفع أهمية دفاعية كبيرة، وجعلها إحدى أبرز الشواخص المطلة على دجلة.
الباحث في الشأن التاريخي والتراثي محمد وطبان يؤكد أن المدن العربية عُرفت تاريخياً ببناء القلاع والتحصينات لحماية سكانها، وكانت الموصل من أبرز تلك المدن نظراً لموقعها التجاري والعسكري المهم. ويشير إلى أن باشطابيا لا تمثل مجرد بناء أثري، بل تعد جزءاً من ذاكرة الموصل الجمعية، ورمزاً يعتز به الأهالي باعتباره تجسيداً لعمقهم الحضاري.
لكن مظاهر التآكل والانجراف باتت واضحة على هيكل القلعة، خصوصاً مع تأثرها بطبيعة التربة الكلسية القابلة للتآكل وقربها من مجرى النهر، فضلاً عن تأثيرات الرياح والأمطار عبر السنوات. ويُقدّر مختصون أن برج القلعة شهد انجرافاً يُقارب 15 متراً باتجاه دجلة، ما يزيد من خطورة الوضع القائم.
من جهته، يصف الباحث في الآثار د. علي أسعد دباغ الإجراءات الأخيرة التي نفذتها مفتشية آثار نينوى بأنها “إسعافية ومؤقتة”، تمثلت في تدعيم الجدار العلوي المهدد بالسقوط عبر أعمدة خشبية وأحزمة ربط، نظراً لارتفاعه الذي يصل إلى نحو 36 متراً فوق ضفاف النهر. ويرى أن هذه المعالجات لا تمثل حلاً جذرياً، بل تهدف إلى منع الانهيار الفوري بانتظار إطلاق مشروع صيانة شامل مدعوم بتخصيصات مالية كافية.
ويشير دباغ إلى أن عملية توثيق ثلاثي الأبعاد أُجريت بالتنسيق مع المكتب الاستشاري الهندسي في جامعة الموصل، لتحديد أسباب الانجراف ووضع معالجات دقيقة، محذراً من أن أي تدخل غير مدروس قد يؤدي إلى نتائج عكسية بسبب وجود تشققات غير ظاهرة في الأساسات.
في السياق ذاته، أوضح مفتش آثار نينوى رويد موفق أن دراسة فنية تُعد حالياً بالتعاون مع جامعة الموصل والجهات المعنية بإعمار نينوى، لوضع تصور تنفيذي يحافظ على القيمة التاريخية للموقع ويعالج أضراره البنيوية. كما أشار إلى تحضيرات لإطلاق مشروع “بارك باشطابيا” بدعم من منظمة اليونسكو، ليكون متنفساً ثقافياً وسياحياً يعزز حضور القلعة ومحيطها ضمن المشهد الحضري للمدينة.
وبين ذاكرة الماضي وتحديات الحاضر، تبقى قلعة باشطابيا اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات المعنية على حماية ما تبقى من شواهد الموصل التاريخية، قبل أن تفقد المدينة أحد أبرز رموزها العمرانية المطلة على دجلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى