العادات الرمضانية في العراق… إرث متجدد يعزز قيم التكافل والتضامن الاجتماعي

العادات الرمضانية في العراق… إرث متجدد يعزز قيم التكافل والتضامن الاجتماعي
مع حلول شهر رمضان المبارك في العراق، لا يقتصر التغيير على مواعيد الطعام والشراب، بل يمتد ليشمل إيقاع الحياة اليومية وروح المجتمع بأسره، حيث تهدأ الشوارع قبيل أذان المغرب، وتتجه القلوب إلى أجواء العبادة والتقرب إلى الله، فيما تستعيد الأزقة والأحياء القديمة مشاهد الألفة والتراحم التي طالما ميّزت المجتمع العراقي.
ويُعد شهر رمضان مناسبة سنوية تتجدد فيها قيم التكافل الاجتماعي، إذ تعود إلى الواجهة عادات راسخة تعكس عمق الروابط بين أبناء المحلة الواحدة، من موائد الإفطار المشتركة، إلى المبادرات الفردية والجماعية لدعم العائلات المتعففة. ورغم تغيّر بعض المظاهر بفعل التحولات الاجتماعية والاقتصادية، إلا أن جوهر هذه العادات بقي ثابتاً، قائماً على مبدأ التعاون وتحمل المسؤولية تجاه المحتاجين.
ومن أبرز التقاليد التي عرفها العراقيون عبر عقود، تكفّل الميسورين من أبناء الأحياء بإعانة ذوي الدخل المحدود، ولا سيما من يعتمدون على الأجر اليومي، بما يتيح لهم التفرغ لأداء فريضة الصوم من دون أن تتأثر احتياجات أسرهم الأساسية. وقد اعتُبر هذا السلوك في الوعي الديني والاجتماعي واجباً تضامنياً يعكس روح الشهر الفضيل، حيث يدفع الصيام إلى استشعار معاناة الفقراء وتعزيز قيم العدالة والمساواة.
ومع تطور الحياة وتبدل أنماط العمل، أخذت هذه المبادرات أشكالاً مختلفة، من توزيع مبالغ مالية إلى تقديم سلال غذائية ووجبات إفطار جاهزة، إضافة إلى حملات جماعية تنظم داخل الأحياء أو عبر مؤسسات خيرية. وتحرص العديد من العائلات الميسورة على إعداد وجبات الإفطار وإرسالها إلى بيوت المتعففين بشكل دوري طوال الشهر، في تقليد يعزز روح المودة ويُشعر الجميع بأنهم شركاء في بركة الشهر.
كما يشهد شهر رمضان في العراق نشاطاً واسعاً في توزيع الحصص الغذائية على الأسر المحتاجة، في امتداد لعادات قديمة كانت تقوم على مبادرات فردية داخل المحلة، وأصبحت اليوم أكثر تنظيماً واتساعاً، مع الحفاظ على بعدها الإنساني والاجتماعي.
ويؤكد متابعون للشأن الاجتماعي أن هذه العادات تمثل جزءاً أصيلاً من الهوية العراقية، حيث يتجلى التعاون والتراحم بصورة لافتة خلال الشهر الفضيل، فتتسع دائرة العطاء، وتتقوى الروابط بين الجيران، ويشعر المحتاج بأن المجتمع من حوله لا يتركه وحيداً.
وهكذا يبقى شهر رمضان في العراق أكثر من شهر للعبادة؛ فهو موسم لإحياء منظومة من القيم الاجتماعية والإنسانية التي تتوارثها الأجيال، وتتجدد بأشكال مختلفة، فيما يظل أصلها واحداً: التضامن، والتكافل، وروح الجماعة التي تميز المجتمع العراقي عبر تاريخه الطويل.




