الكورد المنسيون

“الكورد المنسيون”: فيلم وثائقي يسلط الضوء على مأساة الكورد الفيليين في تاريخهم المعاصر
نظمت مديرية سينما أربيل قبل أيام عرضاً خاصاً للفيلم الوثائقي “الكورد المنسيون” للمخرج محمد حاجي قادر وذلك في صالات إمباير سينما في إقليم كوردستان وجاء هذا العرض بوصفه فعالية ثقافية ووطنية تسعى إلى إعادة تسليط الضوء على مأساة الكورد الفيليين وإحياء الذاكرة المرتبطة بواحدة من أكثر الصفحات المؤلمة في تاريخهم المعاصر.
والفيلم يوثق معاناة الكورد الفيليين عبر عقود من التهجير القسري والتغييب مسلطاً الضوء على صفحات موجعة من تاريخهم الإنساني والوطني وقدم شهادات حية وصوراً مؤثرة حول الانتهاكات التي طالت عشرات الآلاف منهم على يد النظام البعثي المجرم خلال سنوات القمع والاستبداد مع تأكيد واضح على ضرورة حفظ الذاكرة الجماعية والاعتراف بما تعرض له من ظلم تاريخي وعدم السماح بتغييب هذه القضية عن الوعي العام أو طمسها بمرور الزمن ويتناول العمل الوثائقي مأساة الشعب الكوردي بشكل عام والكورد الفيليين بشكل خاص مسلطاً الضوء على سياسات الإقصاء والاضطهاد التي مورست بحقهم كما يستعرض عمليات التهجير القسري التي اقتلعت فيها العائلات من أرض الآباء والأجداد وصودرت ممتلكاتهم وجردوا من جنسيتهم في إطار استهداف واضح لهم بسبب انتمائهم القومي الكوردي ومذهبهم الشيعي المرتبط بأهل البيت عليهم السلام ما جعلهم ضحية مزدوجة للتمييز القومي والمذهبي.
لقد قدم الكورد الفيليون تضحيات كبيرة للعراق في مختلف الميادين وأسهموا في بنائه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي إلا أنهم تعرضوا خلال حكم حزب الهدام الدكتاتوري لحملة ممنهجة من الانتهاكات وتشير التقديرات إلى تغييب أكثر من 22 ألف شاب فيلي لا يزال مصير الكثير منهم مجهولاً حتى اليوم إضافة إلى تهجير مئات الآلاف من أبناء هذا المكون الكوردي الأصيل في واحدة من أكبر عمليات الإبعاد القسري في تاريخ البلاد وقد رافق ذلك نزع الجنسية العراقية عنهم واعتبارهم غرباء في وطنهم ما عمق شعور الغربة والاقتلاع ورسخ جراحاً اجتماعية ونفسية ما زالت آثارها قائمة لحد هذه اللحظة ولا يكتفي الفيلم بسرد الألم بل يسعى إلى تحويل الذاكرة إلى أداة وعي ومسؤولية من خلال توجيه رسالة واضحة للرأي العام بأن ما تعرض له الكورد الفيليون يجب أن يوثق ويدرس وتحفظ تفاصيله للأجيال القادمة فاستذكار هذه الجرائم لا يهدف إلى استحضار الماضي لذاته بل إلى منع تكرار الانتهاكات بحق أي مكون آخر كما يمثل هذا العمل خطوة في مسار أوسع يسعى إلى إعادة تسليط الضوء على حقوق الكورد الفيليين والإسهام في توحيد صوتهم للدفاع عن مطالبهم المشروعة فبعد سنوات طويلة من التهميش والاضطهاد باتت الحاجة ملحة إلى تكثيف الجهود من أجل استعادة الحقوق المدنية والقانونية وكشف مصير المغيبين وتعويض المتضررين.
المخرج محمد حاجي قادر أوضح أن الهدف من الفيلم هو نقل صورة حقيقية عن معاناة الكورد الفيليين ولا سيما في مدن مندلي وبدرة وزرباطية حيث ما زالت آثار الظلم الذي تعرضوا له خلال حكم النظام الدكتاتوري ماثلة حتى اليوم وأشار إلى أن معاناة الكورد الفيليين لم تنته بسقوط النظام إذ لا يزال كثيرون منهم يواجهون صعوبات في الحصول على حقوقهم المشروعة ما استدعى إعادة طرح قضيتهم أمام الرأي العام وبين المخرج أن من أصعب التحديات التي واجهت فريق العمل كانت صعوبة العثور على أشخاص مستعدين للحديث عن تجاربهم المؤلمة بسبب التهجير وتشتت العائلات فضلاً عن الألم النفسي الذي يجعل استعادة تلك الذكريات أمراً بالغ الصعوبة.
وبين وجع الأمس وتعب الحاضر تبقى قضية الكورد الفيليين مفتوحة على مطلب الإنصاف الحقيقي فالمأساة ليست مجرد ذكرى عابرة بل قضية إنسانية مستمرة تتطلب اعترافاً وعدالة وتعويضاً لأن الحكاية لا تنسى وذاكرة الشعوب أقوى من كل محاولات الطمس والإقصاء.




