الأمم المتحدة: فصل جديد من الشراكة مع العراق بقيادة وطنية ورؤية تنموية طويلة الأمد

الأمم المتحدة: فصل جديد من الشراكة مع العراق بقيادة وطنية ورؤية تنموية طويلة الأمد
مع نهاية عام 2025، طوى العراق صفحة واحدة من أطول المهام الأممية في تاريخه الحديث بإنهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي)، التي استمرت لأكثر من عقدين منذ تأسيسها عام 2003. غير أن هذا التطور لا يمثل نهاية للدور الأممي في البلاد، بل يشكل، وفق توصيف الأمم المتحدة، بداية “فصل جديد” من الشراكة والدعم، تقوده رؤية تنموية طويلة الأمد وبقيادة وطنية عراقية.
وأكدت بعثة “يونامي” في بيان رسمي نشرته على منصة “إكس” مطلع كانون الثاني 2026، أن فريق الأمم المتحدة في العراق سيواصل عمله بعد انتهاء ولاية البعثة، وذلك تحت قيادة المنسق المقيم للأمم المتحدة وبشراكة وثيقة مع الحكومة العراقية. ويأتي هذا التحول ضمن إطار “وثيقة التعاون الإنمائي المستدام للأمم المتحدة” للفترة من 2025 إلى 2029، التي جرى توقيعها في 25 كانون الأول 2025.
ووفقاً للبيان، يمثل هذا الإطار الجديد انتقالاً نوعياً من مرحلة الدعم السياسي والأمني المكثف، التي فرضتها ظروف ما بعد عام 2003، إلى مرحلة تركّز على التنمية المستدامة وبناء المؤسسات وتعزيز القدرات الوطنية. وتؤكد الأمم المتحدة أن هذا التحول يعكس نضج العلاقة مع العراق وثقة متزايدة بقدرة مؤسساته على قيادة مسار التنمية، مع استمرار المنظمة الدولية كشريك داعم وموثوق.
ومنذ إنشائها بقرار من مجلس الأمن الدولي، اضطلعت “يونامي” بأدوار متعددة شملت الدعم السياسي، والمساعدة الانتخابية، وتعزيز حقوق الإنسان، وتنسيق الجهود الإنسانية، إلى جانب تقديم المشورة للحكومات العراقية المتعاقبة خلال مراحل حساسة من تاريخ البلاد. ومع تحسن الأوضاع الأمنية وتراجع الحاجة إلى بعثة سياسية موسعة، جاء قرار إنهاء الولاية استجابةً لطلب رسمي من الحكومة العراقية، التي رأت أن المرحلة المقبلة تتطلب نمطاً مختلفاً من التعاون.
وفي هذا السياق، كانت البعثة قد أعلنت في 20 كانون الأول 2025 عن توقيع وثائق تسليم مجمعها في بغداد إلى الحكومة الاتحادية. وجرى التوقيع من جانب الأمم المتحدة من قبل نائب الممثل الخاص للأمين العام للشؤون السياسية والمساعدة الانتخابية، كلاوديو كوردوني، فيما وقع عن الجانب العراقي وكيل وزارة الخارجية للعلاقات الثنائية، السفير محمد بحر العلوم. ووصفت الأمم المتحدة هذه الخطوة بأنها تتويج لتعاون امتد أشهراً عدة، وتمهيد عملي للانتقال إلى الإطار الجديد.
أما وثيقة التعاون الإنمائي المستدام (2025–2029)، فتركّز، بحسب الأمم المتحدة، على أولويات استراتيجية تتماشى مع الخطط الوطنية العراقية، من بينها دعم تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط، وتعزيز العمل المناخي ومواجهة آثار التغير المناخي، ولا سيما في ما يتعلق بإدارة الموارد المائية ومكافحة التصحر. كما تشمل الوثيقة تعزيز الحماية الاجتماعية، وتحسين الحوكمة، ودعم الحلول المستدامة للفئات الأكثر هشاشة، إلى جانب تقوية المؤسسات الحكومية وبناء شراكات فاعلة مع القطاع الخاص والمجتمع المدني.
وتؤكد الأمم المتحدة أن جوهر “الفصل الجديد” يكمن في انتقال القيادة إلى الجانب العراقي، مع بقاء الدور الأممي مسانداً وداعماً، لا موجهاً. ويعكس هذا التوجه تحولاً في طبيعة العلاقة بين العراق والمنظمة الدولية، من إدارة الأزمات إلى شراكة تنموية قائمة على التخطيط والاستدامة.
وبينما تُطوى صفحة “يونامي” رسمياً مع نهاية عام 2025، يستمر حضور الأمم المتحدة في العراق بأدوات وآليات جديدة، تراهن على الاستقرار النسبي الذي تحقق، وتسعى إلى تحويله إلى تنمية ملموسة يشعر بها المواطن، في اختبار حقيقي لقدرة الشراكة الدولية والوطنية على الإسهام في بناء مستقبل مختلف للعراق.




