“إمام خورد”.. شاهدٌ سلجوقي على دماء الطُهر في قلب أفغانستان

“إمام خورد”.. شاهدٌ سلجوقي على دماء الطُهر في قلب أفغانستان
على بُعد نحو كيلومتر ونصف من شرق مدينة “سَربُل” الواقعة في شمال أفغانستان، بين بلخ ومَيمَنة، يقف مرقد شامخ يُعرف محليًا باسم “إمام خُورد”، وهنا يرقد الشهيد يحيى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، في موضع موغل في القدم، موشومٍ بعبق التاريخ وروح الشهادة.
ويرجّح أن يعود بناء المرقد إلى العصر السلجوقي، وهو ما تؤكّده الخطوط الكوفية التي تزيّن جدرانه وتشي بذوق فنّي أصيل من تلك الحقبة، أما موضع القبر نفسه، فقد حمل أسماء متعدّدة في المراجع التاريخية، مثل “أرعونة” في مروج الذهب للمسعودي، و”أرعوي” في عمدة الطالب لابن المهنّا، و”أرغو” كما ورد في دائرة المعارف الإسلامية. غير أن التسمية الصحيحة المتداولة هي “أرغوي”، وهي قرية في جَوزَجان، نالت شهرتها من وجود هذا القبر المقدّس فيها.
والمرقد لم يكن غائبًا عن القصائد الخالدة، فقد ذكره الشاعر دعبل بن علي الخزاعي في تائيته الشهيرة أمام الإمام الرضا (عليه السلام) فقال:
قـبـورٌ بكوفانٍ، وأخـرى بطَيبة وأخـرى بفَخٍّ نـالَـهـا صَلَواتي
وأخرى بأرضِ الجَوزَجانِ محلّها وقـبـرٌ بـباخَمرى لدى القُرُباتِ
وعلى الضريح نقشٌ عربي يشهد على تاريخه، جاء فيه:
“هذا قبر السيّد يحيى بن زيد… قُتل بأرغوي يوم الجمعة من شهر شعبان سنة 125هـ، قتله سَلَم بن أحوز في ولاية نصر بن سيّار أيام الوليد بن يزيد، (لعنهم الله)”.
وتتوزع الكتابات الأخرى على القبة والرواق، تنسب ترميم البناء ورعايته إلى شخصيات غير معروفة تمامًا، مثل “أبو عبد الله بن شاذان الفارسي القمي”، الذي يُعتقد أنه يعود إلى العصر السلجوقي، كما أشار ابن خلّكان في ذكر “علي بن شاذان” المرتبط بمدينة بلخ.
والمرقد لم يغِب عن عين الباحثين الغربيين أيضًا، إذ زاره في أغسطس 1964 الباحث البريطاني “أ. د. هـ- بيوار”، فوثّق الموقع بعدة صور ودراسة ميدانية نشرتها جامعة لندن عام 1966، ضمن تقارير مكتب الدراسات الشرقية والأفريقية.
بعد أن استشهد أبوه في الكوفة خرج يحيى مع عشرة أشخاص من أصحاب أبيه من الكوفة؛ ثم نزلوا في مكان يقال له (جبانة السبيع) بالقرب من الكوفة بعد أن زاروا قبر الإمام الحسين (عليه السلام) ثم ذهبوا إلى المدائن ومن هناك شدّ الرحال إلى خراسان.. وقد التفّ حوله جمع من أهل خراسان وقبلوا دعوته للثورة على بني أمية، وكان قد استقر به الحال في منطقة يقال لها الجوزجان، وقد خاض وأصحابه حرباً ضروساً ضد جيوش بني أمية ولكن نتيجة المعركة انتهت باستشهاده وجمع كبير من أصحابه، وكانت شهادته في يوم الجمعة في شهر شعبان سنة 126 هـ ودفن بدنه في الجوزجان، وأرسل رأسه إلى الوليد بن عبد الملك، وأرسل الوليد بدوره رأس يحيى إلى أمه ريطة بحسب (الحائري، شجرة طوبى، ج/1: ص/260).
وفي بابنا – تراث وأثر- لمجلة (العتبات) نتجول في ازقة المصادر بحثا عن حقائق تؤكد معالمنا التاريخية والتراثية ايضا وهنا حيث يوثق نصنا هذا واحدًا من المزارات الإسلامية ذات الطابع التاريخي العريق في قلب آسيا الوسطى، ويُسلّط الضوء على بُعد حضاري وديني ظل محفوظًا في وجدان الشعوب، يتشابك في هذا الموضع التاريخي البُعد السياسي والمذهبي والفني، إذ يروي قصة مقتل حفيد الإمام الحسين بن علي (عليه السلام)، ويمثّل صدىً من صداحات الثورات العلوية في وجه السلطة الأموية.
كما يكشف النص عن أهمية المرويات التراثية والتوثيقات الشعرية في إحياء ذكرى الشهداء، ويتقاطع مع جهود استشراقية لاحقة حرصت على تسجيل هذه الآثار ضمن ذاكرة التاريخ الإنساني، والمزار في جوهره، ليس مجرد بناء من الطين والحجر؛ بل مرآة حقيقية لذاكرة الألم والكرامة والولاء.




