أخبارالعتبات والمزارات المقدسة

مرقد السيد إبراهيم الغمر حفيد الإمامين الحسنين (عليهم السلام)

دوحة علوية شامخة ومهبط الملائكة وأفئدة المحبّين

شيعة ويفز/ علي الجبوري

من بين النعم الإلهية العظيمة على العراق والعراقيين، أن جعلَ هذا البلد مأوى ومثوى الأئمة الأطهار (عليهم السلام) وذراريهم، حيث تحلُّ البركات في رحابهم ويتنافس المتنافسون على إحياء زيارة مراقدهم، ومن بين هذه المراقد الشامخة التي تسلّط (شيعة ويفز) الضوء عليها.. هو مرقد السيد إبراهيم بن الحسن المثنى بن الإمام الحسن المجتبى (عليهم السلام) الذي يُعرف بالسيد (إبراهيم الغمر)، حيث يقع مرقده الشريف في إحدى بساتين (حي كندة) بمدينة الكوفة العلوية المقدّسة وبالقرب من مسجد السهلة، ويعدّ باباً من أبواب الله (سبحانه وتعالى) تتهاوى قلوب المحبين وتسعى له أقدامهم لزيارته والتبرّك به.

سيرةٌ لقمرٍ علويٍ فاطميّ

هو السيد إبراهيم بن السيد الحسن المثنى بن الإمام الحسن المجتبى بن الإمام علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، فأبوه هو الحسن المثنى الذي شارك في معركة ألطف حتى سقط في ارض المعركة لكثرة جراحه وشاء الله أن يبقى حيا فرجع إلى المدينة، ثم انتقل إلى جوار ربه شهيداً مسموما إبّان حكم سليمان ابن عبد الملك عام (97 للهجرة)، أما أمه فهي السيدة العالمة الجليلة فاطمة بنت الإمام الحسين (عليه السلام).

وتشير المصادر التاريخية إلى أن السيد الغمر وُلِد بحدود سنة (78 للهجرة) في المدينة المنوّرة، وترعرع في كنفي جدّه الإمام الحسن وجدّه الإمام الحسين (عليهما السلام) ونهل من هذا البيت الطاهر علوم أهل البيت (عليهم أفضل الصلاة والسلام)، وهو يُكنى (أبو إسماعيل وأبو إسحاق) وأيضاً (صاحب الصندوق في الكوفة)، وقد لُقّب بـ (الغمر) لإغماره الناسَ بالجود والكرم، وكذلك يعني (القمر) حيث يُبدل العراقيون حرف القاف إلى غين فيُلفظ (الغَمَر)، كما لُقب بالشبيه كونه يشبه جدّه الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام).

وكان سيّدنا (إبراهيم الغمر) رجلاً جليل القدر، رفيع المنزلة، حاله حال أهل البيت الأطهار (عليهم السلام)، ويقال أنه كان قليل الحديث ليسَ لقلّة في العلم والدراية؛ وإنما تستراً وتقيّةً من أعداء الأئمة الأطهار الذين حاربوهم بعدما استحلوا مكانهم الذي رتّبهم الله (سبحانه وتعالى) فيه، وقال ابن أبي حاتم في الجرح: “إبراهيم بن حسن بن حسن، روى عن أبيه، روى عنه الفضيل بن مرزوق، وأبو عقيل يحيى بن المتوكل”، وقال إبراهيم أخو عبد الله بن الحسن الهاشمي: “سمعت أبي وأبا زرعة يقولان ذلك”.

وأعقب إبراهيم الغمر (عليه السلام) من الأولاد والبنات (يعقوب، محمد الأكبر، محمد الأصغر الملقّب بالديباج، إسحاق، علي، إسماعيل الملقّب بالديباج الأكبر الشريف الخالص، رقية، خديجة، فاطمة، حسنة وأم إسحاق)، ومن أحفاده (إبراهيم طباطبا) وكان أكثر عقبه في الحجاز واليمن وحضرموت والعراق والشام ويعود له أسرة السادة آل الحكيم الطباطبائي.

مرقده الطاهر

ذكرَ ابن عنبة في كتابه (عمدة الطالب) بقوله: إنّ “قبر السيد إبراهيم الغمر قريب من كري سعد بن أبي وقاص، وهو صاحب الصندوق الذي يزار في الكوفة”.

وكذلك قال عنه المؤرخ محمد حرز الدين في كتابه (مراقد المعارف): “مرقده في الكوفة على الأصح عليه قبة صغيرة بيضاء شمالي مرقد ميثم ألتمار، على يسار الذاهب من النجف الأشرف إلى الكوفة شرقي الخندق المعروف (كري سعده أو چری سعده).

ويضيف الشيخ حرز الدين: “عثر بعض المنقبين على حجارة الكوفة الدفينة وتحقق من ذلك مرجع عصره السيد محمد مهدي بحر العلوم (قدس سره) وأمر ببناء قبة بيضاء عليه وصحن صغير ذي إيوانين، واستمرت هذه البناية التي شيدها السيد بحر العلوم الى عام (1965 م)”.

ويقول الشيخ المظفر: إن “أقدم من يحدثنا عن المزار هو العبيدلي في تهذيب الأنساب من علماء القرن الخامس الهجري عندما ذكر السيد ابراهيم الغمر وقال عنه: هو صاحب الصندوق في الكوفة، وذكره بعد ذلك ابن عنبة في القرن التاسع الهجري، ومن القرن التاسع الهجري الى القرن الثاني عشر الهجري كانت هنالك حلقة مفقودة اختفى فيها القول لأسباب نجهلها الى زمان السيد بحر العلوم في القرن الثاني عشر الهجري”.

وقد جرت على المرقد الشريف أعمال عدّة من قبل محبي أهل البيت (عليهم السلام)، حيث تطوّر بناؤه من صندوق صغير إلى مرقد جميل يقصده الناس على مدار العام، ويقال أنه في زمن الإمام السيد محسن الحكيم (قدس سره) قد تم توسعة المزار وبني حوله جدار وأضيفت له بعض الأبنية، واستمرت بعد ذلك أيادي المحسنين في إعمار هذا المزار وترميمه إلى أواخر التسعينات من القرن الماضي، حين قام أحد وجهاء الكوفة وهو الحاج مقداد السعد، بتهديم البناء القديم السابق وبناء هذا البناء المهيب والقبة الشامخة على نفقته الخاصة، بعد ذلك تبرع أحد وجهاء أهل الكوفة وهو الحاج أحمد أسد، بشباك من الذهب على نفقته الخاصة، وفي العام (2011م) قامت هيئة الإعمار التابعة لمجلس محافظة النجف الأشرف بإعادة إعمار المزار وتمت المرحلة الأولى بإضافة صحن واسع وجناح إداري وقاعات للمناسبات والضيافة.

أما بالنسبة لمساحة المرقد الشريف، فتبلغ (5 آلاف متر مربع)، وتشمل إلى جانب الحرم والصحن الطاهرين والرواق، غرف خاصة بالتشريفات والأعمال الهندسية والإدارية والمضيف، إضافة إلى الصحيات.

ويفتح المزار أبوابه باستمرار لاستقبال الزائرين الكرام الوافدين، كما يحتفي بإقامة وفيات الأئمة الأطهار وولاداتهم العطرة والدورات القرآنية والدينية للبنين والبنات، كما يتم إحياء شهادته (عليه السلام) في آخر يوم جمعة من شهر ربيع الأول، إذ تؤكد المصادر التاريخية أن المنصور الدوانيقي (لعنه الله) أمر بإلقاء القبض على أبناء الأئمة الأطهار (عليهم السلام) ومن بينهم السيد إبراهيم الغمر، حيث تم حبسه في المدينة ومن ثم نُقل إلى حبس الهاشمية، واستشهد فيه خنقاً عام (145 هـ)، وعمره (69، عاماً) وقيل (67 عاماً).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى