
استهداف الشيعة المدنيين: حرب استنزاف خفيّة
محمدعلي جواد تقي
بينما وسائل الإعلام العالمية والمحلية تتابع باستمرار مجريات الصراع بين إيران من جهة، وأمريكا وإسرائـ،ـيل من جهة أخرى في مشهد المواجهة العسكرية الدامية، ثم في مشهد التفاوض للتوصل إلى حلول سياسية، تنفجر فجأة أحداث عنف طائفية في أفغانستان، ثم في باكستان، وقبلها كانت ثمة إجراءات تعسف طائفية في الكويت والسعودية والبحرين، وسط تساؤلات عن التزامن مع المواجهة السياسية والعسكرية الأكبر في الشرق الأوسط.
نساء وأطفال ورجال مسالمون لا يحملون السلاح في مدينة هرات الأفغانية، وفي مدينة كويتا الباكستانية، ولا يشكلون تهديداً على أحد، كانوا يتمتعون بالحرية النسبية في بلادهم، فجأة يتلقون الرصاص ويقتلون بدم بارد على يد عناصر إرهـ،ـابية تلوذ بالفرار ولا أحد يلحق بهم أو يتعرف على هويتهم، بمن فيهم رجال الشرطة.
الاستهداف نفسه نشهده في البلاد الخليجية وهي؛ السعودية التي نفذت حكم الإعدام الجائر ضد اثنين من الشباب المؤمن بتهم غير جنائية في الآونة الأخيرة، كما تستمر الاعتقالات والملاحقات في الكويت والبحرين، وربما نشهد حالات مماثلة في بلدان أُخرى في ظل صمت مطبق وعدم متابعة “شيعية” من مؤسسات وشخصيات ورأي عام شيعي للتنديد بهذه الجرائم.
الخطوة الأكثر أهمية في هذه المواجهة؛ الدعوة الجدّية مع المساعدة الفعلية لجميع المؤمنين من أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، في جميع أنحاء العالم، باتخاذ إجراءات أَمنية رادعة، وسبق أن وجهنا هذه الدعوة منذ سنوات بأن تكون للشيعة إجراءاتهم الخاصة، وعدم الاعتماد على الأجواء الأمنية السائدة، أو الوعود الحكومية بتطبيق إجراءات تضمن الأمن والاستقرار للجميع، فقد ثبت أَن الدول التي يتعرض فيها الشيعة للاستهداف الطائفي، هي معرضة بالأول للاختراق الطائفي، مما يجعل “المسؤولين” المحليين فيها مجرد متفرجين على مسرح الجريمة.
وهذه ليست دعوة لصنع مليشيات مسلحة، أو التثقيف لمواجهة العنف بالعنف، بقدر ما هي دعوة لمواجهة العنف بأسلوب الردع الذي يجعل الجناة يفكرون ألف مرة قبل أن يرسلوا عناصرهم لفتح النار على مصلين في مسجد، أو على باص لنقل الركاب، أو تفجير مكان عام، وبما يخلق تصوراً راسخاً لدى الجميع بأن الشيعة ليسوا الحلقة الأضعف في المجتمع، وينسحب هذا على الإجراءات التعسفية في البلدان الخليجية، ونشر ثقافة المجتمع المتماسك الواحد الذي “إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى”، وإذا تعرض جزءٌ من -الشيعة- فإن المجتمع بأكمله يتعرض للاهتزاز والقلق، لا أن يموت الرجال، وتتروع النساء ويتيتّم الأطفال ثم يمضي الأمر كأن شيئاً لمن يكن.
في بداية تشكيل الدولة العراقية من بعد انهيار النظام الصدامي، وظهور دعوت لحكم الأكثرية الشيعية، برزت أصوات تحذر من مغبة تهميش سائر المكونات الاجتماعية بأنه “محاولة لتمزيق المجتمع”، علماً أن الشيعة من حيث المبدأ والتطبيق لم يكونوا مطلقاً بصدد الاستئثار بالحكم وتهميش الأقليات العرقية والدينية، وتكرار ما فعله بهم صدام بمساعدة قاعدته الشعبية.
يجدر بنا التفكير ملياً في أمر الاستهداف الخفي للكيان الشيعي في البلاد الإسلامية على أنه استنزاف للقدرات الشيعية على الأصعدة كافة، ينطوي على خطورة بالغة تفوق خطورتها الاستنزاف العسكري والاقتصادي القائم، فهذه يمكن معالجتها بتحركات سياسية وأخرى دبلوماسية مع بعض التفاهمات والاتفاقيات ويأخذ كلٌ حصته من النفوذ والهيمنة، بينما الشعوب المستهدفة بأمنها واستقرارها ومستقبلها، على أي جدار تستند لضمان ألا تكون شريحة محرومة مما يتمتع به الآخرون من أمن وحياة طبيعية.
الصمت الاجتماعي بالدرجة الأولى هو الذي يُجرئ الإرهـ،ـابي على إطلاق الرصاص أو تفجير القنبلة على المدنيين الشيعة، والأمر نفسه ينسحب على الإجراءات القمعية لبعض الأنظمة الحاكمة في المنطقة، فالإرهـ،ـابي لا يأتي من السماء بقدر ما هو ينتمي إلى مكون اجتماعي آخر، بل ربما يسكن إلى جوار المواطن الشيعي، كما أن الحكومات تستند في شرعية قمعها على المصفقين، وعلى الصامتين أيضاً، وقد جربنا هذا عام 1980، في أول عملية استهداف للشيعة بشكل عنيف ودموي في التاريخ الحديث من قبل نظام صدام، حيث جرت أعمال تسفير للعوائل العراقية، واحتجاز أبنائهم الشباب وتغييبهم إلى الأبد، واعتقال ومصادرة أموال التجار، قبل ترحيلهم إلى إيران، وقد كتب الباحثون فيما بعد أن هدف صدام من هذا الإجراء؛ كان فصل المعارضة السياسية الشيعية عن عناصر قوتها الاجتماعية والاقتصادية ثم رميها خارج الحدود.
للأسف نقول: إن هذه التجربة المُرّة، منسية وغائبة – تقريباً – عن الوعي الجمعي لشيعة أهل البيت في العراق وفي جميع أنحاء العالم، وحتى في العراق أيضاً، ولم تحظَ بالدراسة والتحقيق لأخذ العِبر منها، ولا أَدلّ على ما نقول من تكرارها هذه الأيام، ولعل السبب في هذا؛ الظلال الكثيفة للسياسة على الواقع الاجتماعي والديني أيضاً، وهو ما يؤسف له حقاً، بأن تكون السياسة أولى من الدين والإنسان، بينما منهج أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، يدعو السياسيين بما لديهم تحركات، وتحالفات، وإجراءات رسمية وغير رسمية بأن يصطبغ كل ما لديهم بصبغة الأخلاق والعقيدة، وهذا التأصيل السياسي هو الذي يوقف أعداء الدين والمذهب عند حدّهم، ويعطي لأتباع أهل البيت مكانتهم الحضارية في هذا العالم، وهو ما كان سائداً طيلة القرون الماضية.




