“الكلمة والصورة”.. تطوّر المخطوطات في الحضارة الإسلامية بين المعرفة والجمال

شكّلت المخطوطات حجر الأساس في حفظ العلوم والفنون والمعارف الإنسانية عبر العصور، ولا سيما في الحضارة الإسلامية التي أولت عناية استثنائية بصناعة الكتاب، فجعلت منه تحفةً فنية ومعرفية في آنٍ واحد. فقد مثّل المخطوط في هذا السياق أكثر من مجرد وعاء علمي، إذ غدا لوحة نابضة بالحياة، تجمع بين عبقرية المضمون وروعة الشكل.
وتُعد صناعة المخطوطات في الحضارة الإسلامية ثمرة تلاقي عوامل علمية وجمالية وروحية، تجلّت في دقة الصناعة، وتنوع أساليب التزيين، وثراء المحتوى. وقد ارتبط تطور المخطوط بانتقال صناعة الورق إلى العالم الإسلامي، بعد أن كانت الكتابة تُمارَس على الرقوق والجلود والعظام. وقد تحوّلت مدينة سمرقند إلى نقطة انطلاق حقيقية في هذا المسار، قبل أن تنتقل تقنيات الورق وتحسيناته إلى بغداد في العصر العباسي، وتصبح الأخيرة مركزًا مرموقًا لصناعة الورق والمخطوطات.
امتد تأثير هذا التطور ليشمل بلاد المغرب الإسلامي والأندلس، حيث نشأت مدارس زخرفية وخطية متميزة، برز فيها الخط المغربي، وشهدت المخطوطات تطورًا بصريًا ملحوظًا، تمثّل في الزخرفة والتذهيب والتنميق، ما أضفى على الكتب طابعًا فنيًا خاصًا. ولم يكن التزيين في المخطوطات الإسلامية مجرد زينة شكلية، بل تعبيرًا عن وعي جمالي عميق يوازي القيمة المعرفية للمحتوى المكتوب.
كما نشأت عبر هذه الصناعة طبقات متخصصة من الورّاقين والنساخ والمذهبين والمزوقين، أسهموا في إنتاج مخطوطات دقيقة الصنع، عالية الجودة، تعبّر عن روح الحضارة الإسلامية وتفاعلها مع المعارف والفنون. وقد راعت هذه المخطوطات طبيعة النص المكتوب، وقيمة الموضوع، وظروف القارئ، ما جعل من كل مخطوط عملًا فنيًا متكاملًا، يصل بين العقل والبصر، وبين الفكر والذوق.
وقد ارتبطت بالمخطوطات مصطلحات فنية دقيقة، مثل “التزويق” و”التمويه” و”التذهيب” و”التحمير” و”التجمير”، تعكس تنوّع المهارات التي انخرطت في إنتاجها، وتعزز فهمنا للغة الجمالية التي تشكلت في ظلّ الحضارة الإسلامية. وتشير هذه المصطلحات إلى أشكال من التزيين تشمل الحروف، والعناوين، والهوامش، والرسوم التوضيحية، فضلاً عن الاهتمام بتوازن الألوان وتناسق الخطوط.
وإذ ما تزال آلاف المخطوطات محفوظة في المكتبات والمتاحف، فإنها تظل شاهدًا حيًّا على نهضة معرفية جعلت من الكلمة صورة، ومن الصورة رسالة، ومن الكتاب ذاكرة حضارية لا تقدر بثمن.