
تحمل وصايا الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في طياتها معاني عظيمة لا تقتصر على زمن معين أو مجتمع محدد، بل تمتد لتكون منهجًا إنسانيًا عالميًا. إنها ليست مجرد كلمات تُتلى في المناسبات الدينية، بل ميثاقٌ يُلزم الأفراد والمجتمعات بالسير على نهج العدل والإصلاح.
الوصية وواقعنا اليوم
تشهد معظم الدول الإسلامية اليوم أزمات مُزمنة في الفساد السياسي والمالي، حيث تُختزل السلطة في خدمة النخب، بينما يعاني المواطنون من انهيار الخدمات الصحية والتعليمية، واتساع الفجوة بين الحاكم والمحكوم. في هذا السياق، تبرز وصية الإمام علي (عليه السلام) كدافع لنقد هذا الواقع وتصحيحه:
الفساد وغياب التقوى: حين يصبح الوصول إلى السلطة غايةً لتراكم الثروات، ويُستخدم الحكم كوسيلة لاستنزاف الموارد، فإن الفساد يتحول إلى نظام مؤسسي. قال الإمام (عليه السلام) في وصيته: «ولا تبغيا الدنيا، وإن بغتكما»، في إشارة واضحة إلى أن التعلق بالدنيا يُفسد الأخلاق، ويؤدي إلى الظلم والانحراف عن الحق.
غياب العدالة: يوصي الإمام ولديه الحسن والحسين (عليهما السلام) قائلاً: «كونا للظالم خصماً، وللمظلوم عوناً»، وهو توجيهٌ صريحٌ لمواجهة الاستبداد والدفاع عن حقوق المظلومين. وفي واقعنا اليوم، تُسكت الأنظمة القمعية الأصوات المعارضة، وتُهمّش مطالب الشعوب، مما يؤدي إلى فقدان العدالة وسيادة الظلم.
إهمال الضعفاء والمحتاجين: يُقاس تقدم الأمم برعاية الأيتام والفقراء، لكن الواقع يظهر تفشي البطالة وانهيار منظومة الرعاية الاجتماعية، وهو أمرٌ يناقض وصية الإمام حين قال: «الله الله في الأيتام، فلا تغبّوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم».
التفرقة المجتمعية: يحذر الإمام من «التدابر والتقاطع»، داعيًا إلى التآلف والتعاون، في حين أن مجتمعاتنا اليوم تعاني من انقسامات طائفية وسياسية تُضعف وحدتها، وتزيد من التوترات والصراعات الداخلية.
كيف نطبق الوصية على واقعنا؟
إن الاستجابة الفاعلة لمتطلبات واقعنا المأزوم تتطلب:
✔️ إعادة بناء أنظمة الحكم على أساس النزاهة والشفافية، ومحاسبة الفاسدين بعيدًا عن المصالح الضيقة.
✔️ تفعيل مؤسسات المجتمع المدني لدعم الفقراء والمظلومين، وتعزيز الرقابة على أداء السلطة.
✔️ تبني سياسات تعليمية وصحية تُحوِّل شعارات العدالة إلى واقع ملموس، فالتنمية تبدأ بالإنسان.
كيف نقرأ وصايا الإمام علي (عليه السلام)؟
لفهم الوصايا العلوية وتطبيقها على العصر الحديث، لا بد من منهجية واعية تشمل:
القراءة السياقية: لا يمكن فهم وصايا الإمام بمعزل عن سياقها التاريخي، ولكن دون إسقاطها الحرفي على الواقع. بل يجب استخلاص جوهرها وتكييفه مع التحديات الحالية.
الاستنباط القيمي: إن المبادئ التي أرساها الإمام، مثل العدل والحرية والنزاهة، ليست محصورة بزمن معين، بل يجب تفعيلها في مجالات حقوق الإنسان، الحكم الرشيد، والتكافل الاجتماعي.
الحوار مع الآخر: وصايا الإمام ليست دعوة للإقصاء أو المواجهة، بل لبناء الجسور مع الآخرين، سواء داخل المجتمع أو في العلاقات بين الثقافات والحضارات المختلفة.
الوصية مشروع نهضوي
ليست وصية الإمام علي (عليه السلام) نصًا بلاغيًا يُقرأ في المحافل فحسب، بل هي مشروعٌ نهضويٌ يحتاج إلى إرادةٍ سياسيةٍ ومجتمعيةٍ تُعيد الأولوية إلى القيم بدلاً من المصالح الضيقة. وكما قال الإمام في وصيته الأخيرة: «لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر… ثم تدعون فلا يُستجاب لكم»، فإن السكوت عن الفساد والاستبداد يُضيع الحقوق، ويُغري الطغاة بالتمادي.
إنّ استلهام وصايا الإمام علي (عليه السلام) في حياتنا اليوم، ليس مجرد خيار، بل ضرورة لإنقاذ المجتمعات من دوامة الأزمات، وتأسيس مستقبل قائم على العدل والمساواة والكرامة الإنسانية.