أزمةٌ صامتة تهدّد الصحة النفسية للصحفيين في أفغانستان تحت حكم طالبـ،ـان

أزمةٌ صامتة تهدّد الصحة النفسية للصحفيين في أفغانستان تحت حكم طالبـ،ـان
تواجه الصحافة الأفغانية منذ عودة حركة طالبـ،ـان إلى السلطة أزمةً متصاعدة لم تقتصر آثارها على إغلاق المؤسسات الإعلامية وتقييد حرية التعبير واعتقال الصحفيين وتهديدهم، بل امتدت إلى الجانب النفسي، لتترك آثاراً عميقة في فئة عاشت سنوات من الحرب والاضطرابات، ثم وجدت نفسها أمام واقع جديد يتسم بالخوف والرقابة وفقدان الأمن الوظيفي والمهني.
وبحسب تقرير نشره موقع شفقنا أفغانستان، واستند إلى تقارير ومعلومات صادرة عن مؤسسات دولية ومحلية معنية بحرية الصحافة وحقوق الصحفيين، فإن المشهد الإعلامي في البلاد شهد تراجعاً حاداً منذ عودة طالبـ،ـان، بعدما أُغلقت أعداد كبيرة من المؤسسات الإعلامية، وفقد آلاف الصحفيين والعاملين في هذا القطاع وظائفهم، فيما اضطر عدد كبير منهم إلى مغادرة البلاد بسبب المخاوف الأمنية والتهديدات.
أدى نقص التمويل والضغوط الأمنية والتعليمات الصادرة عن سلطات طالبـ،ـان إلى توقف العديد من الصحف والمحطات الإذاعية والتلفزيونية ووكالات الأنباء عن العمل، فيما تعرضت المؤسسات التي كانت تُعد قريبة من الحكومة السابقة لضغوط واسعة.
أما المؤسسات التي واصلت نشاطها، فأصبحت تعمل في بيئة شديدة الحساسية، مع فرض قيود على المحتوى وتدقيق مسبق في المواد الإعلامية، إلى جانب تقييد الوصول إلى المسؤولين والمعلومات الرسمية، ومنع أو الحد من تغطية العديد من القضايا السياسية والأمنية والإنسانية.
كما فرضت السلطات مجموعة من اللوائح التي تنظم العمل الإعلامي وفق رؤيتها، شملت قيوداً على المحتوى المرئي والمسموع، وحظراً لمواد تعتبرها مخالفة للشريعة، فضلاً عن قوانين تجرّم ما تصفه بـ”الإساءة إلى الإسلام” أو “نشر الأكاذيب” أو الأنشطة المناهضة للنظام، وهي مصطلحات يرى التقرير أن اتساع نطاقها يتيح تقييد العمل الصحفي المستقل.
ويشير التقرير إلى توثيق حالات عديدة لاعتقال صحفيين واحتجازهم على خلفية تغطيتهم أحداثاً أو إجراء مقابلات أو ممارسة نشاط إعلامي من دون الحصول على الموافقات المطلوبة، فضلاً عن تعرض بعضهم للضرب وسوء المعاملة والتهديدات.
كما فرضت السلطات قيوداً على استخدام الإنترنت وراقبت أنشطة الصحفيين على المنصات الرقمية، الأمر الذي أسهم في خلق بيئة من الخوف وعدم الثقة، ودفع الكثير من الصحفيين إلى تجنب تناول الملفات الحساسة.
وفي ظل هذه الظروف، تحولت الرقابة الذاتية إلى وسيلة للبقاء، إذ بات الصحفي يراجع كلماته وموضوعاته قبل نشرها، ويتجنب ملفات تتعلق بحقوق المرأة والفساد وانتقاد طالبـ،ـان والقضايا الدينية والعرقية، خشية التعرض للملاحقة.
ويصف التقرير وضع الصحفيات بأنه أكثر صعوبة، في ظل القيود المفروضة على عمل المرأة في عدد من المحافظات، فضلاً عن الحد من مشاركتهن في تغطية الأحداث وإجراء المقابلات والظهور الإعلامي.
كما تواجه الصحفيات تهديدات ومضايقات وضغوطاً اجتماعية وعائلية، فيما اضطرت أعداد منهن إلى ترك المهنة، الأمر الذي أدى إلى خسارة شريحة من الكفاءات النسائية التي أمضت سنوات في بناء مسيرتها الإعلامية.
ولا تتوقف تداعيات هذه الظروف عند حدود المهنة، إذ يلفت التقرير إلى أزمة نفسية متنامية بين الصحفيين الأفغان، نتيجة تراكم سنوات الحرب والعنف، وما رافقها من فقدان الزملاء والتعرض للخطر، قبل أن تضيف عودة طالبـ،ـان طبقات جديدة من الخوف وعدم اليقين.
ويشير التقرير إلى انتشار أعراض القلق والاكتئاب واضطرابات النوم بين عدد كبير من الصحفيين، إلى جانب آثار نفسية مرتبطة بالصدمات السابقة، وفقدان الوظائف ومصادر الدخل والهوية المهنية.
كما يعاني الصحفيون الذين اضطروا إلى مغادرة البلاد من مشكلات إضافية، بينها العزلة الاجتماعية والثقافية، وعدم الاستقرار القانوني ومشكلات التأشيرات، فضلاً عن صعوبة مواصلة العمل في بيئات جديدة وبعيدة عن أسرهم ومجتمعاتهم.
وتزداد الأزمة تعقيداً بسبب محدودية خدمات الصحة النفسية في أفغانستان، التي كانت تعاني أصلاً من ضعف كبير في هذا المجال، فيما تقلصت أو توقفت أنشطة العديد من المنظمات التي كانت تقدم الدعم للصحفيين.
كما تحول الخوف من الوصمة الاجتماعية المرتبطة بمشكلات الصحة النفسية دون طلب كثير من الصحفيين للمساعدة، في وقت لا تزال فيه برامج الدعم النفسي المتخصصة والمستدامة محدودة للغاية.
ووفق تقديرات أوردها التقرير، أفاد أكثر من سبعين بالمئة من الصحفيين الأفغان، داخل البلاد وفي المنفى، بمعاناتهم من أحد أشكال مشكلات الصحة النفسية، مع الإشارة إلى أن القيود الأمنية والاجتماعية تحول دون الحصول على إحصاءات دقيقة وشاملة.
وإلى جانب الضغوط النفسية والأمنية، أدت الأزمة الاقتصادية وإغلاق المؤسسات الإعلامية إلى فقدان آلاف الصحفيين والعاملين في وسائل الإعلام مصادر رزقهم، في ظل غياب التأمين والحماية الاجتماعية والمعاشات التقاعدية.




