العراق

بعد أربعة عقود على مجزرة حلبجة… معاناة نفسية وصحية مستمرة لآلاف الناجين

بعد أربعة عقود على مجزرة حلبجة… معاناة نفسية وصحية مستمرة لآلاف الناجين

بعد نحو أربعة عقود على الهجوم الكيميائي الذي استهدف مدينة حلبجة ومناطق كردية أخرى في شمال العراق، لا تزال آثار تلك الجريمة حاضرة بقوة في حياة آلاف الناجين، وسط معاناة نفسية وصحية متواصلة، وغياب واضح للدعم والعلاج الكافيين.
وفي عام 1988، وخلال حملة الأنفال التي نفّذها نظام البعث المقبور، تعرّض الأكراد في شمال العراق لسلسلة من الهجمات الكيميائية، كان أكثرها دموية القصف الذي طال مدينة حلبجة القريبة من الحدود العراقية الإيرانية، وأسفر عن مقتل نحو خمسة آلاف شخص، باستخدام غازات الأعصاب مثل السارين وVX، إلى جانب غاز الخردل، فيما قُدّر عدد ضحايا حملة الأنفال بنحو 182 ألف كردي.
تقرير بحثي حديث أعدّه عالم النفس الإكلينيكي إبراهيم محمد، وشمل دراسة أوضاع 500 ناجٍ من الهجوم، كشف أن نحو أربعة من كل خمسة يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، في حين يعاني ثلاثة من كل أربعة من الاكتئاب أو القلق، رغم أن أقل من 20 بالمئة فقط تلقّوا أي شكل من أشكال العلاج النفسي.
وأشار التقرير، المنشور في مجلة Frontiers، إلى أن كثيرًا من المشاركين يعانون أيضًا من آلام مزمنة، وإرهاق دائم، ومشكلات صحية طويلة الأمد، ما يعكس التداخل العميق بين الأضرار النفسية والجسدية التي خلّفتها الهجمات الكيميائية.
وفي شهادات شخصية، يؤكد يريفان سعيد، الذي كان في السادسة من عمره عند وقوع الهجوم، أن المأساة لا تزال حاضرة في الوعي الجمعي لسكان حلبجة والمناطق المجاورة، حيث ما زال الناجون يتساءلون عن أسباب ما جرى، ولماذا عجزوا عن إنقاذ أحبّتهم. ويرى أن غياب الاعتراف الدولي الواضح بما حدث بوصفه إبادة جماعية فاقم الإحساس بالظلم، وأسهم في نقل الألم من جيل إلى آخر.
إلى جانب المعاناة النفسية، يتحدث مختصون عن استمرار وصمة اجتماعية تطال بعض الناجين، بسبب مخاوف خاطئة تتعلق بما يُسمّى “التلوث الكيميائي”، تشمل اعتقادات حول انتقال الأمراض إلى الأبناء أو المحيطين بهم، وهو ما يؤدي في بعض الحالات إلى عزلة اجتماعية قسرية.
وتؤكد أبحاث سابقة، أُجريت داخل العراق وخارجه، أن الناجين من مجزرة حلبجة يعانون من تراجع ملحوظ في الصحة النفسية والجسدية ونوعية الحياة، بما في ذلك فرص التعليم والعمل، مقارنة بمن لم يتعرضوا للهجمات الكيميائية.
وفي هذا السياق، قال الباحث مرادي، المقيم في السويد، إن نتائج تقرير محمد تتوافق مع ما توصلت إليه دراسات سابقة أجريت بين مجتمعات الناجين الأكراد في أوروبا، مشيرًا إلى أن المتضررين من غاز الخردل يعانون من ضعف طويل الأمد في وظائف الرئة، وتدهور في الصحة النفسية، وتراجع في جودة الحياة.
ودعا التقرير الجديد إلى تحرك عاجل لمعالجة هذا الإهمال المزمن، مطالبًا بتوفير خدمات صحة نفسية تراعي الخصوصية الثقافية، إلى جانب برامج لدعم البحث عن المفقودين، وتعويض الناجين، وتأمين رعاية صحية مستدامة، لا سيما في مدينة حلبجة نفسها التي تفتقر إلى بنية متكاملة للعلاج النفسي.
وبعد مرور كل هذه السنوات، تبقى مجزرة حلبجة جرحًا مفتوحًا في حياة آلاف الناجين، يحتاج إلى اعتراف حقيقي ودعم فعلي، كي تتحول الذكرى من مجرد إحياء سنوي للألم إلى مسار جاد نحو الشفاء والإنصاف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى