« الحسین یوحدنا» شعار أم واقع ؟

 

عنوان هذا المقال :  « الحسین  یوحدنا»  یثیر في أذهاننا تساؤلات مهمة :

کیف یمکن للإمام الحسین علیه السلام أن یجمعنا تحت مظلّته ، وأن یوحدنا تحت رایته ، في وقت یشهد العالم إنقسامات مذهبیة وعرقیة وسیاسیة حادّة ؟ 

ولماذا نختار الإمام الحسین علیه السلام مرجعیة لنا في هذا التوحّد ؟!

بما لایقبل الشك والتردید ، ان اسلام الامام الحسين عليه السلام هو الذي أوجد الوحدة والعدالة والحرية ، وليس (اسلام) معاوية ويزيد .

هذا ما صرّح به المرجع الدیني الکبیر آیة الله العظمی السید صادق الحسیني الشیرازي دام ظلّه في خطابه الوحدوي الذي ألقاه في بیته المکرّم علی أعتاب حلول شهر محرّم الحرام لعام 1438 هجریة .

فسماحته یری أن الإمام الحسین علیه السلام هو من حافظ علی بقاء الاسلام ومنع من إنحرافه ، وأن الإمام الحسین علیه السلام هو من أقام الصلاة وآتی الزکاة وأمر بالمعروف ونهی عن المنکر ، ولولا ثورته المبارکة وتضحیاته الکبیرة لما بقي من الإسلام إلاّ إسمه ولتشوّهت صورته النقیّة کما تشوّهها الیوم عصابات القتل والإرهاب ، فسیدُ الشهداء علیه السلام هو نهج عظیم یوحّد أطیاف واسعة من الناس تحت رایته ، فتری الأحرار والثوار والمؤمنین والمحبّین والحسینیین یجتمعون في مناسبات مختلفة لیخلّدوا ذکراه .

هذا التوّحد لیس جدیداً في القضیة الحسینیة فقد تجسّد ذلك أیضاً بین أطیاف الأمّة في واقعة الطف سنة 61 هجریة وتحدیداً في المعرکة القصیرة الأمد والقلیلة العدد التي خاضها الإمام الحسین علیه السلام مع أعداء الدین الذین أرادوا تشویه صورة الإسلام ، فجمع بین الرومي والزنجي وبین العربي والأعجمي وبین السید والعبد وبین الأسود والأبیض ، فوضع خدّه علی خدّ ولده علي الأکبر کما وضعه علی خدّ عبده جون ، ولم یفرّق بینهما . 

کما أن الإمام الحسین علیه السلام جمع في معرکته أیضاً قیم الأخلاق النبیلة ، إذ لم یبدء أعدائه بقتال ، ولم یلتمس الکذب والحیلة ولم یحرمهم من الماء عندما کان مسیطراً علیه بل سقاهم وسقی خیولهم ورشفها بالماء .

هذه المواقف الأخلاقیة النبیلة التي لانراها في أي من الحروب والمعارک التي تجري الیوم في أي مکان من العالم هي التي جعلت قلوب الناس تستهوي هذا الرجل العظیم فصارت ثورته خالدة الی هذا الیوم یتجّدد ذکراها رغم مرور زمن طویل .

ولنسأل بماذا یوحدنا الامام الحسین علیه السلام في ظل الإنقسامات الحادّة والتباین الکبیر في الرؤی والأفکار  ؟ 

نقول ، لیس معنی التوحّد في الحسین علیه السلام إلغاء الفوارق بین التوجهات المختلفة ، فهذا هدف لایمکن تحقیقه في الوقت الحاضر مادامت الرؤی مختلفة والأفکار متضاربة ، لکن التوحّد یتحقق بالإلتقاء عبر القواسم المشترکة ومنها حبّ الحسین وحبّ قضیته وحبّ شعائره ، فالنبي صلی الله علیه وآله یقول : (أحبّ الله من أحبّ حسینا) ، وهذا الحبّ ظهر جلیاً في الأعداد المتزایدة التي تأتي لزیارته في مناسبات مختلفة ومنها زیارة عرفة والأربعین. حیث نری في زیارة الأربعین أعلام دول مختلفة ترتفع علی طول المسیرة ، من أقصی امریکا وأوربا وافریقیا وحتی الدول الإسکندنافیة القریبة من القطب الشمالي . 

ما أحبّوه من الإمام الحسین أنه رجل عظیم واجه الظلم بکلّ ما یمتلک من قوّة وضحی بأسرته وأطفاله ورضیعه ، ومارس القیم الأخلاقیة مع عدوه ، حیث أنه قدّم لهم النصیحة وراعی فیهم حقوق الإنسان ولم یبدهم بقتال .

هذه المواقف البطولیة المفعمة بالأخلاق جعلت الأمّة تجتمع علی محبّة الامام الحسین علیه السلام  وتنجذب الیه والی قیمه وشعائره أکثر فأکثر ، فتری الزائرون للإمام الحسین علیه السلام عندما یجتمعون في کربلاء أو في أي مکان آخر ینسون ولائهم الضیّق للقبیلة والعشیرة والمدینة والقومیة والدولة التي ینتمون إلیها ، فیکون الولاء للحسین ولعشیرته ولمدینته کربلاء ولحرکته الإصلاحیة التي قادها في واقعة الطف المجیدة . 

حتی الشعارات تتغیّر عندما تصل الجموع الی حرمه الطاهر ، فجمیع الشعارات الحزبیة والقبلیة الضیقة تصبح شعاراً واحداً یرتفع الی عنان السماء : لبیک یا حسین ، لبیک یا ثارالله . 

کما أن الإمام الحسین علیه السلام وحّد صفوف الأمّة علی مرّ التأریخ لتواجه الظلم وإن کانوا مستضعفین وقلّة ، فها هو الیوم یوحدنا ضد الإرهاب ، وبإسم الحسین تُحرّر القوات الأمنیة وغیرها من الحشد الشعبي ـ العراق من الإرهابیین الدواعش ، وبإسم الحسین علیه السلام تعود المناطق المحتلّة الی حضن الوطن.

إنّ الأحرار في جمیع العالم یکنّون للإمام الحسین إحتراماً کبیراً ، ومنهم غاندي الذي قال في ثورته : علّمني الحسین کیف أکون مظلوماً فأنتصر ، مع کلّ تحفظاتنا علی مذهبه وعقیدته . فالأحرار یرون في الحسین علیه السلام رمزاً للتضحیة والفداء ، یتعلّمون منه دروس التضحیة والفداء والإیثار .

فنری الثائرون المصلحون یستلهمون منه روح الثورة ویتخذون منه قدوة وأسوة في حرکتهم الإصلاحیة لینتصروا بقیمهم النبیلة علی جبروت الطاغوت .

فالحسین علیه السلام هو مصباح هدی یستنیر بنوره جمیع الأحرار ، وسفینة نجاة تـُنقذُ الغرقی ، ومنارٌ یستلهم منه الثوّار دروس التضحیة والفداء ، وبعبارة إنّه الکلمة الجامعة التي یمکن بها نبذ الفرقة والإختلاف .

لقد إستطاع الإمام بثورته المجیدة الحفاظ علی قیم السماء  ومبادیء الأخلاق ، بل وحفظ للإنسان کرامته ، فصار ینتشل الغرقی من بحر الظلمات ویأخذ بید کلّ من یمدّ ید العون ویطلب النجدة.

إذا أردنا أن نعرف مدی إجتماع الناس علی محبّة الإمام الحسین علیه السلام ومدی توحّدهم فيه ، علینا أن نراجع مواقع التواصل في هذه الأیام ، لنری أعداد الملایین الذین یسجلون أسمائهم لزیارة الإمام في الأربعین . فهؤلاء الناس لایعرف بعضهم البعض ، لکنهم عرفوا أن طریق الحسین علیه السلام هو طریق النجاة الذي یوصلهم الی برّ الأمان.

 صادق مهدى علي

أحدث الأخبار

شبكات التواصل الاجتماعي

إشترك في نشراتنا

الإسم (*)

Invalid Input
البريد الإلكتروني (*)

Invalid Input